لماذا انهيار فرنسا حتمي؟

لماذا انهيار فرنسا حتمي؟

  • ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لا يمكن لفرنسا أن تكون في الوقت نفسه دولة رفاه واسعة، وقوة عسكرية كبرى، وقائدة لأوروبا، وصاحبة نفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط، من دون اقتصاد قادر على تحمّل كلفة هذه الأدوار جميعاً.

من يتذكّر خطاب إيمانويل ماكرون في جامعة السوربون عام ٢٠١٧، ويقارن بين طموحاته لفرنسا وأوروبا وما يجري اليوم في بلاده، يدرك حجم الهوّة بين الشعارات والواقع. يومها، تحدّث عن أوروبا قوية ومستقلة، وعن فرنسا التي ستقود مشروعاً أوروبياً قادراً على مواجهة التحولات الدولية. اليوم، تجد باريس نفسها أمام أزمات مالية واجتماعية متفاقمة، فيما تتراجع قدرتها على تمويل طموحاتها الكبرى.

المفارقة أنّ فرنسا لا تعاني نقصاً في الإمكانات، بل تناقضاً بين ما تريد أن تكونه وما تستطيع تحمّله. تريد أن تقود أوروبا، وتحافظ على نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط، وتواجه روسيا، وتقلّص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تريد الحفاظ على دولة رفاه واسعة اعتاد مواطنوها أن توفر لهم الخدمات والمساعدات والحماية الاجتماعية. لكن هذه الطموحات تصطدم باقتصاد ضعيف النمو، ودين متضخم، وعجز مالي مزمن.

لم يكن ماكرون سبب الأزمة الوحيد، فالمشكلة المالية الفرنسية أقدم من عهده، لكنه لم ينجح في معالجة اختلالاتها البنيوية أو إقناع الفرنسيين بجدوى الإصلاحات. أراد تعزيز التنافسية وتحديث الاقتصاد، لكنه يجد نفسه اليوم أمام أزمة ثقة اجتماعية ومالية. فالدولة التي تعد مواطنيها بالكثير تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل وعودها، وإلا تحوّلت التقديمات من مصدر استقرار إلى عبء يصعب استدامته.

أفريقيا: تراجع النفوذ وخسارة المصالح

تكشف التحولات في أفريقيا جانباً من تراجع القوة الفرنسية. فقد اعتادت باريس أن تستند إلى علاقات تاريخية وشبكات اقتصادية وأمنية تمنحها نفوذاً واسعاً، لكن خروج قواتها من دول الساحل وتدهور علاقاتها مع حكومات المنطقة أظهرا حدود قدرتها على حماية مصالحها.

النيجر مثال واضح. فقد شكّلت نحو ٢٠٪ من واردات فرنسا من اليورانيوم الطبيعي بين عامي ٢٠٠٩ و ٢٠٢٢، والتي كانت تحصل عليها باريس لانتاج الكهرباء وبيعها للدول الأوروبية. وبعد انقلاب عام ٢٠٢٣، تدهورت العلاقات بين البلدين، وتعرّضت مصالح شركة أورانو الفرنسية لانتكاسة كبيرة، وصولاً إلى خسارة امتياز منجم إيمورارين عام ٢٠٢٤.

صحيح أنّ فرنسا لم تفقد جميع مصادر اليورانيوم، وأنّ خسارة النيجر لا تفسّر أزمة ديونها، لكن المسألة تتجاوز المادة الخام إلى تراجع القدرة على حماية الاستثمارات والنفوذ الاستراتيجي، كما تراجع كمية الأموال التي كانت تجنيها فرنسا من جيرانها الأوروبيون.

وينطبق الأمر نفسه على الفرنك الأفريقي الموجود في ١٥ دولة غرب أفريقيا. فقد وفّرت ترتيبات التعاون النقدي بين فرنسا ومجموعة من الدول الأفريقية نفوذاً اقتصادياً وسياسياً مهماً لباريس. وحتى العام ٢٠٢١، كانت فرنسا تسيطر على حساب العمليات للفرنك الأفريقي وربطه بسعر صرف ثابت باليورو، فكانت تستفيد فرنسا، عبر ذلك، بتمويل ديونها الخاصة، في استغلال صريح ووقح لـ١٥ دولة أفريقية.

لكن كل ذلك توقف عام ٢٠٢١، عندما تم طرد النفوذ الفرنسي من عدد كبير من الدول الأفريقية، فبات على باريس التعامل مع ديونها الخاصة من جيوبها حصراً.

طموحات عسكرية تتجاوز الإمكانات المالية

تزداد المعضلة تعقيداً مع الحرب في أوكرانيا، والتقدّم العسكري الروسي، والضغوط الأميركية على الأوروبيين لتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهم. تريد فرنسا بناء استقلال استراتيجي أوروبي، لكنها تحتاج لتحقيق ذلك إلى استثمارات دفاعية وصناعات عسكرية متطورة، وتحديث قواتها، والحفاظ على ردعها النووي، فضلاً عن المساعدات التي تقدمها لأوكرانيا.

المشكلة ليست في الدفاع عن فرنسا أو دعم أوكرانيا بحد ذاتهما، بل في محاولة تمويل كل هذه الالتزامات بالتزامن مع الحفاظ على نموذج اجتماعي مرتفع الكلفة. فكلما ازدادت الحاجة إلى الإنفاق العسكري، اشتد التنافس على الموارد مع الصحة والتعليم والتقاعد والمساعدات الاجتماعية.

وهنا تظهر المفارقة التي لم يحلّها ماكرون: يريد أن يعيد فرنسا إلى موقع القيادة الدولية، لكن هذه القيادة تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، لا إلى دين يتراكم عاماً بعد عام.

الأرقام تكشف حجم المأزق

حدّد الاتحاد الأوروبي معيارين مرجعيين للمالية العامة لكل دولة فيه: ألا يتجاوز العجز ٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وألا يتجاوز الدين العام ٦٠٪ منه. أما فرنسا، فقد بلغ عجزها نحو ٥.١٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام ٢٠٢٥، ووصل دينها إلى نحو١١٥.٦٪. وتتوقع المفوضية الأوروبية ارتفاع الدين إلى نحو ١٢٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام ٢٠٢٧ إذا استمر المسار المالي الحالي.

هذه الأرقام تعني أنّ فرنسا تتجاوز الحد المرجعي للعجز بأكثر من نقطتين مئويتين، فيما يقارب دينها ضعف المستوى الأوروبي المحدد. ومع ارتفاع كلفة خدمة الدين، تتقلص الأموال المتاحة للاستثمار والخدمات والدفاع، وتصبح الخيارات الحكومية أكثر صعوبة: زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق، أو مواصلة الاقتراض بما يفاقم المشكلة.

الأب الذي لم يعد قادراً على إعالة الأسرة

يمكن فهم الأزمة الفرنسية من خلال صورة الأب الذي اعتادت أسرته أن يوفر لها المال والخدمات والحماية. لقد بنت فرنسا جزءاً كبيراً من استقرارها على دولة اجتماعية واسعة، وأصبح الحفاظ على مكتسباتها جزءاً من العقد الاجتماعي. لكن الدولة ليست أباً يملك مالاً بلا حدود، ولا تستطيع أن تقدم باستمرار ما لا ينتجه اقتصادها.

ليست المشكلة أنّ الفرنسيين كسالى أو أنّ الرعاية الاجتماعية خطأ في ذاتها؛ بل إنّ الحفاظ على هذا النموذج يحتاج إلى نمو اقتصادي وإنتاجية وإدارة فعالة وإيرادات كافية. وحين تتجاوز الالتزامات قدرة الاقتصاد على تمويلها، يصبح الاقتراض وسيلة لتأجيل الأزمة بدلاً من حلها.

هنا تجد فرنسا نفسها أمام خيارين صعبين. إذا قلّصت التقديمات الاجتماعية لتمويل الدفاع وضبط الدين، فقد تتفاقم الاحتجاجات وتتسع المواجهة مع الشارع. وإذا حافظت على التقديمات أو زادتها من دون إصلاح مالي حقيقي، فقد يتفاقم الدين وتتراجع قدرتها على تمويل جيشها وطموحاتها الأوروبية ونفوذها الخارجي.

لا يمكن لفرنسا أن تكون في الوقت نفسه دولة رفاه واسعة، وقوة عسكرية كبرى، وقائدة لأوروبا، وصاحبة نفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط، من دون اقتصاد قادر على تحمّل كلفة هذه الأدوار جميعاً. فالدولة التي تريد أن تحافظ على مكتسبات مواطنيها وتموّل آلة عسكرية باهظة لمواجهة التقدم الروسي وتراجع نفوذها الإقليمي، لا تستطيع تجاهل حسابات المال إلى الأبد.

هل الانهيار حتمي؟

إنّ استمرار ماكرون بأسلوب إدارته سيدفع فرنسا إلى انكفاء تدريجي، تتراجع فيه قدرتها الدولية بالتوازي مع اشتداد التوتر الاجتماعي في الداخل.

معضلة فرنسا هي التالية: إذا أعطت الأولوية للإنفاق العسكري على حساب التقديمات، فقد تجد الشارع في مواجهتها. وإذا أعطت الأولوية للحفاظ على نموذجها الاجتماعي من دون إصلاحات، فقد تجد الدين يلتهم هامش قرارها وقدرتها على لعب دور القوة الكبرى. وبين الشارع والدين، وبين دولة الرفاه وطموحات القوة، تقف فرنسا أمام امتحان تاريخي... امتحان نهايته محتومة، الكثير من تراجع الدور والفوضى والضعف.

في خطاب السوربون، أراد ماكرون أن يعيد فرنسا إلى موقع القيادة، لكنه يواجه حقيقة أنّ الدولة لا تستطيع أن تقود الخارج فيما تفقد التوازن في الداخل. وإذا لم تعالج باريس هذا التناقض، فقد لا تسقط دفعة واحدة، لكنها قد تكتشف أن تراجعها أصبح مساراً يصعب وقفه.