أوروبا والذكاء الاصطناعي.. الأخلاق تمنع التطوّر
أوروبا والذكاء الاصطناعي.. الأخلاق تمنع التطوّر
هل تؤدي قوننة الذكاء الاصطناعي بدافع الأخلاق إلى تقويض التنافسية التكنولوجية وأسس القوة، أم لحماية المستقبل وضمان أمانه؟
سمعت عن ChatGPT وGrok وGemini، لكنك ربما لم تسمع بشركة أوروبية كبرى فرضت نفسها عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي. ليست المسألة مصادفة، بل مؤشر إلى فجوة تتسع بين أوروبا والولايات المتحدة والصين في أحد أهم ميادين الصراع الاقتصادي والتكنولوجي في القرن الحادي والعشرين.
ففيما تتسابق واشنطن وبكين على تطوير النماذج الذكية واستقطاب الاستثمارات والعقول، تبدو أوروبا منشغلة بضبط هذه التكنولوجيا أخلاقياً وقانونياً، خشية أن تتعارض مع قيمها. فالقارة العجوز التي قادت ثورات علمية وصناعية تأخرت كثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي وتحولت من صانع للتكنولوجيا إلى مكترث لقيم وأخلاق وقواعد استخدامها.
تريد أوروبا ذكاء اصطناعياً يحترم الخصوصية، ويحمي البيانات، ويمنع التمييز والتضليل، ويصون الكرامة الإنسانية. وهذه قيم جميلة، لكنها لا تتماشى مع السوق. فمشكلة أوروبا هي أنّها تحولت إلى أشبه بضابط أخلاقي يحمي الإنسان وواضع لقيود تعرقل الابتكار وتبطئ التطوير.
هنا تبرز ثقافة «الصواب السياسي» (Political Correctness). فالرغبة في منع التمييز والإساءة قد تتحول إلى محاولة لفرض إجابات مقبولة سلفاً، خشية أن تتعارض مخرجات الذكاء الاصطناعي مع التصورات الأوروبية عن المساواة والتنوّع والعدالة. لكن هل يمكن تطوير تكنولوجيا ثورية إذا طُلب منها تجنّب كل إجابة مثيرة للجدل؟ ومن يحدد أصلاً القيم التي ينبغي أن تلتزم بها، في عالم تختلف فيه المجتمعات بشأن حرية التعبير والخصوصية والحقوق؟
في الولايات المتحدة، تقود الشركات الخاصة السباق بدعم من رؤوس الأموال الضخمة والمنافسة التجارية. أما الصين، فتجمع بين الاستثمارات والأولويات الاستراتيجية للدولة. وفي المقابل، تواجه أوروبا سوقاً مجزأة، وتمويلاً أقل للشركات الناشئة، ونقصاً في البنية التحتية، فضلاً عن تشريعات أخلاقية تزيد كلفة التطوير. لذلك، ليست الأخلاق السبب الوحيد لتأخرها، لكنها عامل يفاقم مشكلاتها البنيوية.
وتكشف الأرقام حجم الفجوة. فبحسب تقرير صادر عن دائرة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي عام ٢٠٢٥، بلغ الاستثمار الخاص التراكمي في الذكاء الاصطناعي بين عامي٢٠١٣ و ٢٠٢٤ نحو١٠٩،١ مليارات دولار في الولايات المتحدة، مقابل ١٩ ملياراً في أوروبا و٩،٢٩. وفي عام ٢٠٢٤مثلاً، أنتجت المؤسسات الأميركية ٤٠ نموذجاً بارزاً للذكاء الاصطناعي، مقابل ١٥ نموذجاً صينياً وثلاثة نماذج أوروبية بارزة فقط.
ربما تحتاج أوروبا إلى التخلي عن قيمها وشعاراتها الإنسانية قليلاً، أو أقله التوفيق بينها وبين متطلبات الابتكار. عليها أن تزيد استثماراتها، وتوحّد أسواقها الرقمية، وتدعم شركاتها الناشئة، وتمنح الباحثين مساحة أوسع للتجربة من دون القيود القيمية. فالقواعد الأخلاقية ينبغي أن تنظّم التطور، لا أن تحل محله. فما نفع كل قيم أوروبا إن كانت النتيجة تخلفاً عن ركب الحضارة والتطوّر؟
إنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطبيق جديد، بل ركيزة أساسية للاقتصاد والعلم والدفاع والمعرفة والمستقبل. ومن يمتلكه سيحصد الثروة ويؤثر في موازين القوة، فيما سيضطر الآخرون إلى استخدام منتجاته والخضوع لشروطه.
قد تربح أوروبا معركة الأخلاق، لكنها عملياً تخاطر بخسارة معركة المستقبل. فالقيم التي لا تحميها قوة علمية واقتصادية قد تتحول إلى مبادئ جميلة يشرحها الأوروبيون في المؤتمرات، بينما يصنع الآخرون التكنولوجيا التي سيستخدمها العالم. أما عندما تتحول الأخلاق والقيم إلى خوف دائم من الخطأ، وإلى إخضاع كل ابتكار لمعايير لا تنتهي، فتصبح أحد أسباب التخلف القادم.

