يتغيّر الكونغرس.. ولا تتغيّر الخطة في لبنان
يتغيّر الكونغرس.. ولا تتغيّر الخطة في لبنان
ما ينتظره الأميركيون من لبنان لن تغيّره أكثرية جديدة في الكونغرس، وما انتهى في المنطقة، لن تعيده صناديق الاقتراع الأميركية.
تبدّلت خريطة الكونغرس الأميركي، وخسر الجمهوريون أكثريتهم، وبدأت واشنطن تستعد لجولة جديدة من الصراع بين البيت الأبيض والديموقراطيين. لكن على بُعد آلاف الكيلومترات، في لبنان، لن تتغيّر الخطة، لأنّ الانتخابات بدّلت موازين القوى التشريعية ولم تبدّل الإدارة الأميركية.
فدونالد ترامب لا يزال في البيت الأبيض، وفريقه باقٍ، والخطة الموضوعة للبنان مستمرة. وما تقرّر لم يعد موقفاً مرحلياً يمكن أن تُسقطه نتيجة انتخابية، بل توجّهاً أميركياً يحظى بتوافق بين الجمهوريين والديموقراطيين، وإن اختلف الطرفان في الأسلوب واللغة ووسائل التنفيذ.
مصدر استخباراتي أميركي تحدّث إلينا أكّد أنّ نتائج الانتخابات النصفية لن تغيّر السياسة الأميركية تجاه لبنان، ولن تمنح حزب الله فرصة لاستعادة دوره السابق. فالحزبان متفقان على المبادئ الأساسية للخطة: حصر السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش اللبناني، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، وإنهاء قدرة أي جهة مسلّحة على اتخاذ قرار الحرب نيابة عن الدولة.
وبحسب المصدر، قد يستخدم الجمهوريون لغة أشد ويميلون إلى العقوبات والضغط المباشر، فيما يعتمد الديموقراطيون بصورة أكبر على الدبلوماسية والمؤسسات الدولية. لكن اختلاف الأدوات لا يعني اختلاف الهدف. فالخلاف في واشنطن ليس حول ما يجب فعله في لبنان، بل حول كيفية تنفيذه.
ويضيف المصدر أنّ الاعتقاد بأنّ خسارة الجمهوريين للكونغرس ستعيد لبنان إلى مرحلة ما قبل الحرب هو قراءة خاطئة للتحوّلات الكبرى في المنطقة. العالم تغيّر، والشرق الأوسط تغيّر، كما تبدّلت نظرة المجتمع الدولي إلى حزب الله ودوره.
لكن الأخطر، وفق المصدر، أنّ الصراع المرتقب بين الكونغرس والرئيس قد لا يقيّد إسرائيل، بل قد يطلق يدها أكثر في لبنان. فالبيت الأبيض، المنشغل بمواجهة داخلية مفتوحة، سيجد صعوبة أكبر في فرض تسوية إقليمية أو ممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية لوقف عملياتها. وفي المقابل، لن يخوض الديموقراطيون معركة مع إسرائيل من أجل حماية سلاح حزب الله أو السماح له بإعادة بناء قدراته.
ولا تبدو الاستعدادات الإسرائيلية سياسية فقط. فبحسب المعلومات التي عرضها المصدر، دفعت إسرائيل بنحو نصف قوات النخبة لديها إلى الجبهة الشمالية والحدود مع لبنان. وهذا الحشد لا يعكس استعداداً لمواجهة محدودة، بل يشير إلى أنّ الخيار العسكري الواسع أصبح جزءاً جدياً من الحسابات الإسرائيلية إذا فشلت الدولة اللبنانية في تنفيذ المطلوب منها.
وهكذا، قد تتحول الفوضى السياسية في واشنطن إلى مساحة أوسع للحركة الإسرائيلية. فكلما انشغل ترامب بمعاركه مع الكونغرس، أصبحت إسرائيل أكثر حرية في تحديد أهدافها ومواعيد ضرباتها وحجم عملياتها، مستندة إلى قوة عسكرية بات جزء كبير منها متمركزاً على أبواب لبنان.
ولم يعد مقبولاً في واشنطن أن يحصل لبنان على المساعدات الدولية، فيما تحتفظ جهة حزبية بترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة. كما لم يعد هناك استعداد لتمويل إعادة الإعمار إذا كان ما يُبنى اليوم قد يتحول غداً إلى بنية عسكرية جديدة. أما دعم الجيش اللبناني، فبات مرتبطاً بمشروع واضح: أن تصبح المؤسسة العسكرية القوة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والحدود وقرار الحرب.
قد يتصارع الجمهوريون والديموقراطيون حول إيران والحرب والموازنة ومستقبل ترامب السياسي. وقد يحوّل الكونغرس السنتين المقبلتين إلى مواجهة يومية مع البيت الأبيض. لكن لبنان لن يكون ساحة انقلاب في السياسة الأميركية، بل قد يصبح إحدى الساحات التي تستفيد فيها إسرائيل من انشغال واشنطن بنفسها. فالانتخابات غيّرت موازين القوى داخل الولايات المتحدة، لكنها لم تغيّر الخطة خارجها.
في لبنان، قد تتغير سرعة التنفيذ، وقد تشتد الضغوط أو تتراجع مرحلياً، لكن الاتجاه باقٍ: دولة واحدة، جيش واحد، وسلاح واحد. وما ينتظره الأميركيون من لبنان لن تغيّره أكثرية جديدة في الكونغرس… وما انتهى في المنطقة، لن تعيده صناديق الاقتراع الأميركية.

