من الحد الأدنى وتصحيح الأجور... الى التحطيم الكلّي لمفهوم الأجر
من الحد الأدنى وتصحيح الأجور... الى التحطيم الكلّي لمفهوم الأجر
فور إقرار موازنة عام 2024، أعلنت رابطة موظفي الإدارة العامة عن إضراب ووقفات إحتجاجية تصعيديّة أمام الإدارات العامّة من 30 كانون الثاني حتى 9 شباط، رافضةً «الموازنة الّتي فَرضت رسوماً على خدمات وهميّة كالماء والكهرباء، تقتصّها منّا بأسعار خياليّة، وتحصل على أتعابنا ودمعنا ودمّنا بفتات اللّيرات، موازنة زادت الضّرائب على الرّواتب وأعفت كبار الأغنياء منها، موازنة ما زال التّهرّب الضّريبي والجمركي مشرّعاً فيها». ومشددةً على رفض تكريس مبدأ بدل الإنتاجيّة بديلًا عن الرّواتب، داعيةً «كلّ المعنيّين أن يسارعوا إلى تصحيح الرّواتب والمستحقّات كافّة ذات الصّلة، وفقاً لمؤشر الأسعار وبنسبة ما خسرته».
يتقاضى موظفو القطاع العام اليوم قرابة 165 دولاراً، بعد أن تضاعفت الرواتب 7 أضعاف، على ما كانت عليه قبل الازمة، في حين تراجعت القيمة الشرائية 60 مرة. كما أقرّت لجنة المؤشر زيادة 450 الفاً في القطاع الخاص في كانون الثاني 2024. وكان مجلس الوزراء قد أقرّ في نيسان 2023، زيادة 4 أضعاف على رواتب القطاع العام، و450 ألف ليرة بدل نقل ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 ملايين.
في الموازنة الجديدة، فُرضت ضرائب على الأجور وصلت إلى 25 في المئة، على سعر صرف 89 الف ليرة لبنانية، فيما رواتب القطاع العام إحتسبت على سعر صرف 15 ألف. في وقت ينصّ قانون العمل، أنه يفترض أن يكون الحد الأدنى كافياً لسد حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته، على أن تحدّد وزارة العمل وأرباب العمل والأُجراء، ضمن لجنة المؤشر، الحد الأدنى، ويعاد النظر في تحديد الحد الأدنى كلما دعت الظروف الإقتصادية إلى ذلك.
كانت الأجور الخاصة تتبع عقود بين الأطراف الخاصة، بحسب وزير العمل السابق شربل نحاس، وبالتالي تعديل هذه العقود لم يكن يتمّ إلّا عبر قوانين، أي في عهد الإنتداب الفرنسي، كان تصدر تصحيحات من وقت الى آخر.
أما في ما يخصّ القطاع العام، يروي نحاس تاريخ مأسسة الأجور، ويقول «في عهد الرئيس السابق فؤاد شهاب، تأسست الإدارة العامة للإحصاء، وأوفدت الدولة اللبنانية عدداً من الطلاب إلى فرنسا ليتعلموا في معاهد الإحصاء، وبدأت الإدارة العامة للإحصاء تعمل ضمن وزارة التصميم، عام 1966، وبناءً على ميزانية الأسرة يومها، بدأ يصدر دورياً مؤشر غلاء المعيشة».
صدر مؤشر غلاء المعيشة كقانون عام 1967، وأعطى للحكومة مسؤولية، وبالتحديد وزارة العمل، الصلاحية لإعادة النظر دورياً، وأقلّه مرة في كل عام بالأجور. بناءً عليه، بات الحد الأدنى وتصحيح الأجور مرفقين، يعدلان بقرار من وزير العمل ويرسله الى الحكومة لتصدره بمرسوم، وبقيت هذه الآلية ساريةً حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، وحتى خلال الحرب الأهلية صدرت عدة تصحيحات للأجور، وأحياناً أكثر من مرّة في السنة.
توقفت هذه الآلية، وكان آخر تصحيح أجور عام 1996، بناءً على مؤشر الأسعار لعام 1995، بحسب نحاس، وحتى عام 2012 لم يحصل أي تصحيح للأجور، وما حصل أنّه تمّ إبتداع حججاً إستثنائية وصالحة لعام واحد، وصدرت مراسيم بإعطاء بدل نقل، وكان من المتوقع تنظيم آلية النقل العام المشترك خلال عام، فدخلت عبر هذه الآلية، عملية إحتيالية بدل مواجهة مسألة الأجور.
(رسم تفاعلي)
منذ بدء الإنهيار في عام 2019، تمّ التغاضي عن هذه الآلية بشكلٍ تام، وتعمّم منطق نهش مفهوم الأجر، وإبتُدعت أمور مثل الإنتاجية والكفاءة والمساعدة الإجتماعية، وكلّها إحتيالات على مبدأ الأجر، وتقويضه بشكلٍ كامل، ويتساءل نحاس «لماذا يوجد بدل نقل ولا يوجد بدل للطعام أو للثياب... كلّها جزء من إنفاق المواطنين، إذ يمكن العمل على قياس المسافة بين مكان العمل ومكان السكن، وربطها بكلفة فعلية، لكن عندما يكون البدل مقطوعاً يعني أنّ هذا بات أجراً، إنتُزعت منه الصفة القانونية والإجتماعية والإشتراكات المترتبة عليها». يستمر هذا النهج حتى اليوم، وتحولنا من نهج نهش الأجر الى الضرب الكلّي لمفهوم الأجر بحد ذاته.
(رسم تفاعلي)
يفنّد نحاس الفرق بين تصحيح الأجور ورفع الحد الأدنى، ويقول«المصاب بالحد الأدنى هو أضعف جزء من الأجراء، وبالتالي التصحيح يطال الذين يتقاضون الحد الأدنى بنسبة أعلى من الذين لديهم أجور مرتفعة أكثر، لذلك كلّ قرارات الحكومات حول الأجور كانت تلحظ زيادة على الحد الأدنى، أعلى نسبة من تلك الزيادات وفق شطور، حيث ينتقل الحد الأدنى من هذا الحد إلى هذا الحد على نسبة معينة، وكلّما إرتفعت الشطور تكون نسبة الزيادة أقل».
الفكرة خلف تصحيح الأجور هو الإختلال في التوازن. في إقتصاد قائم على أساس الإنتاج، والعلاقة بين الأجراء والرأسماليين، يتقاسم صاحب رأس المال ومن يُقدّم عمله، الناتج الذي تنتجه هذه المؤسسة، وبما أنّ النظام الرأسمالي يعتبر أنّ القرار ضمن المؤسسة يعود لمن قدّم رأس المال وليس من قدّم عمله، ويفترض أن يتفقوا، لكن ديناميكيات هذا النمط تنتج خللاً في العلاقة بين الطرفين، والذي لا يمكن أن يتمادى. وعليه، تدريجياً، وبحكم التطور العالمي، والحركة النقابية منذ القرن التاسع عشر، ووفقاً لقوانين العمل، تأسست النقابات لحماية الموظفين، ومن ناحية أخرى تدخلت السلطة العامة، كمسؤولية عامة لتصحيح الإنحراف بين هذين الطرفين، على إعتبار أنّ هذا الأجر ليس كلياً لصاحب رأس المال. هنا الدولة تتدخل لدعم الطرف الأضعف، الذي يضم ذوي الرواتب المتدنية جداً، عبر إجراءات تحدّ من مفاعيل الخلل، مثل تصحيح الأجور، ورفع الحد الأدنى، والتغطية الصحية الشاملة، وتحديد ساعات العمل.
بحسب الإحصاءات، وإنطلاقاً من العام 2018، وحتى نهاية عام 2023، إرتفع مؤشر الغلاء 60 مرة بالليرة، وهي نفس نسبة إرتفاع سعر صرف الدولار على الليرة، والإرتفاع متطابق بشكلٍ كامل، أي القدرة الشرائية للدخل إنقسمت على 60، وإذا كان المرجع هو المحافظة على القدرة الشرائية، يجب ضرب الحد الأدنى بـ 60، أي ضرب 675 ألف ليرة لبنانية بـ 60، ويصبح 40,500,000 ليرة، أي حوالي 450 دولار على سعر صرف 89 ألف.
(رسم تفاعلي)
تتساوى زيادة سعر الصرف مع إرتفاع مؤشر الغلاء، وحصل هذا الأمر في الأشهر الأخيرة، وهو أمر غير طبيعي، بحسب نحاس، إذ بعد أن دولرت الأسعار، إرتفعت لتساوي سعر الدولار، ومن المفارقة أنّه في الفترة التي ثُبِت فيها سعر الصرف، في نهاية عام 2022، إرتفع سعر الصرف 27 مرة ، بينما مؤشر الغلاء ارتفع 17 مرة، وكان سعر الدولار أعلى من الغلاء المعيشي، وهو أمر طبيعي لأنّ السلع المستوردة مرتبطة بالعملة الأجنبية، بينما الإنتاجات والخدمات المحليّة بالليرة اللبنانية، وبالتالي المفارقة في الفترة الأخيرة عندما ثُبِت سعر الدولار على 89 الف، إرتفعت الأسعار، ووصلنا الى نقطة بات إرتفاع سعر الدولار تعادله نسبة إرتفاع كلفة المعيشة.
مقابل هذا الأمر، إنخفض الناتج بين 40 و50 في المئة، وهو مجمل المداخيل التي تنتج عن أعمال إقتصادية، سواء كانت أرباح او أجور أو مداخيل المؤسسات الفردية، أي صاحب العمل يعمل بمفرده، بحسب التقديرات المتوافرة لصندوق النقد. يعزو نحاس القدرة على الإستهلاك بفعل هجرة مئات الألوف من الناس وإرسالهم الأموال لذويهم، إضافة إلى تلقي أطرافاً أموالاً من دول العالم وجمعيات المجتمع المدني وغيرها.
منع هذا الدخل إنحدار الإستهلاك بنفس إنحدار الناتج، فيما الأجور هي حصة من الناتج، إذا إنخفض الناتج بالدولار حوالي 40 في المئة، والدولار وصل إلى 89 ألف ليرة، يعني أنّ الناتج بالليرة اللبنانية لم يرتفع 60 مرة، أي لا يمكن الأخذ من هذا الطبق 60 مرة إضافية، لأنّ الصحن تقلّص بين 40 و50 في المئة، وبالتالي الحصة من الدخل إذا بقيت كما كانت، لا يمكن أن تزيد الأجور 60 مرة، يمكن أن ترتفع بين 30 و40 مرة، وعليه يفترض أن يكون النقاش بين هذين الإعتبارين، القدرة الشرائية من جهة، والإنتاج من جهة أخرى.
يشدّد نحاس على أهمية التفرقة بين أجور القطاع العام والقطاع الخاص، إذ في الخاص المسألة هي تقاسم الناتج بين أصحاب رأس المال والعاملين، وهو الأجر الإجتماعي، وهناك بنود من الإنفاق الحيوي ولا يجوز أن تكون خاضعة للمنطق التجاري، من نوع الصحة والتعليم وغيرها، وفي حال تأمنت ستخفّف الضغط على الأجور.
أما في القطاع العام، يتلقى الموظف أجره من المواطنين من خلال الضرائب، وليس من رأس المال، فالدولة ليست رأسمالي، بل وسيط يجبي الضرائب ويقدم الخدمات، وهذا مختلف بطبيعته، لكن الدولة اليوم لا تقدّم الخدمات، وهنا تطرح مسؤولية مختلفة بطبيعتها، وقد تكون أخطر من مسألة الأجور. موظف الدولة يقدّم خدمة عامة يحتاجها الناس، قضاء وأمن وتعليم، مقابل ما يقتطع من يتولى السلطة من الضرائب من الناس.
يعود الفرق في حجم الأجور بين القطاعين العام والخاص، الى تخلي المسؤولين عن دورهم ولامبالاتهم بإستمرار الخدمة العامة، يقول نحاس، مضيفاً «تستبدل الخدمة العامة بترتيبات أخرى، فهناك جزء أساسي من القطاع العام، وهم القوى الأمنية، يتقاضون رواتبهم من الخارج، من الولايات المتحدة الأميركية وقطر وغيرها، وهذا أمر غير طبيعي. وضمن تفكك الدولة الذي يحصل، هناك تفكك لمنطق الخدمة العامة».

