فؤاد شهاب عقدة قادة الجيش في لبنان
فؤاد شهاب عقدة قادة الجيش في لبنان
عقدة فؤاد شهاب ترافق كل من يتولى قيادة الجيش، لأنّ الوصول إلى المنصب ممكن، أما الوصول إلى الإرث الذي تركه فليس بالأمر السهل.
منذ استقلال لبنان، تعاقب على قيادة الجيش اللبناني عدد كبير من الضباط الذين حملوا لاحقاً طموحات سياسية أو وجدوا أنفسهم في قلب الأزمات الوطنية، إلا أنّ اسماً واحداً بقي حاضراً في ذاكرة اللبنانيين باعتباره النموذج الذي يقاس عليه كل من جاء بعده، وهو الزعيم فؤاد شهاب. فمنذ توليه قيادة الجيش، استطاع أن يرسم صورة لقائد جيش مستقل حافظ على حياد المؤسسة العسكرية واستقلال قرارها، ولم يقبل بأن تتحول إلى أداة بيد أي طرف داخلي أو خارجي.
وقد برز هذا النهج بشكل واضح خلال أحداث عام ١٩٥٨، عندما نزلت القوات الأميركية إلى لبنان، فرفض فؤاد شهاب أي انتقاص من السيادة اللبنانية، وأدار مدافع الجيش في مواجهة أي مساس باستقلال القرار الوطني، واضعاً مصلحة الدولة فوق أي اعتبار سياسي أو دولي ولم يتدخل بالثورة التي حاربها الدرك. ومن هنا، أصبحت تجربته مرجعاً لكل قائد جيش جاء بعده، لكن دون أن يتمكن أحد من استنساخها.
فمن أميل بستاني الذي ارتبط اسمه بالتنازل عن جزء من السيادة عبر اتفاقية القاهرة، إلى حنا سعيد الذي شهدت قيادته مرحلة ما بعد أحداث عام ١٩٧٣، مروراً بإسكندر غانم الذي تراجع دور الجيش في عهده تحت شعار تحييده، ثم فيكتور خوري الذي وجد المؤسسة العسكرية محاصرة بين الميليشيات والفلسطينيين والسوريين والإسرائيليين، وصولاً إلى إبراهيم طنوس وميشال عون اللذين تعايشا مع واقع الاحتلالات والميليشيات، تتكرر صورة قائد الجيش الذي اضطر للتعامل مع ظروف معقدة دون أن ينجح في الوصول إلى النموذج الذي تركه فؤاد شهاب.
ثم جاء إميل لحود الذي رأى كثيرون أنّ السيادة اللبنانية في عهده ارتبطت بالوجود السوري، وتبعه ميشال سليمان الذي اتهمه خصومه بالتعايش مع واقع سلاح حزب الله، ثم جان قهوجي الذي لم يجعل استعادة السيادة عنواناً لقيادته، وبعده جوزف عون الذي استمر خلال قيادته في التعامل مع الواقع القائم، وصولاً إلى القائد الحالي رودولف هيكل الذي يواجه بدوره تحديات المرحلة نفسها.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والأمنية بين مرحلة وأخرى، فإنّ القاسم المشترك بين جميع هؤلاء، وفق هذا الرأي، أنّهم حاولوا الاقتراب من صورة فؤاد شهاب دون أن ينجح أحد في الوصول إليها. فلم يتمكنوا من الجمع بين احترام السيادة الوطنية والحفاظ على تماسك الجيش وهيبته، كما لم يستطيعوا استخدام المؤسسة العسكرية عند الحاجة من دون أن تدفع أثماناً سياسية أو وطنية أو تنعكس الانقسامات عليها.
إنّ المشكلة، وفق هذا المنظور، ليست فقط في تبدل الظروف الإقليمية والدولية، بل في شخصية القائد نفسه، وفي استقلالية قراره، وفي قدرته على معرفة متى وكيف يستخدم الجيش، ومتى يحافظ على حياده، وكيف يصون هيبة المؤسسة العسكرية دون أن تتحول إلى طرف في الصراعات الداخلية أو الخارجية.
ولعل المفارقة الأبرز أنّ معظم قادة الجيش نظروا إلى تجربة فؤاد شهاب باعتبارها الطريق الأقصر إلى رئاسة الجمهورية، وكثيرون منهم وصلوا بالفعل إلى قصر بعبدا بعد قيادتهم للمؤسسة العسكرية. لكن ما يميز شهاب أنّه لم يكن يرى الرئاسة غاية بحد ذاتها، فتعفف عنها في البداية، ثم عاد وتعفف عنها مجدداً عام ١٩٧٠، كما رفض التمديد لنفسه، مقدماً صورة رجل الدولة الذي يضع المصلحة العامة فوق الطموح الشخصي.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يوجد بين قادة الجيش من يتعفف عن السلطة كما فعل فؤاد شهاب؟ وهل تكفي الرغبة في تقليده للوصول إلى المكانة التي احتلها في التاريخ اللبناني؟ إنّ من يعتقد أنّ استحضار تجربة عام ١٩٥٨ بحرفيتها يمكن أن ينجح في ظروف اليوم، يخطئ في قراءة الواقع كما يخطئ في تقدير النتائج. فتبقى تجربة «اللواء الأمير» استثنائية في نظر كثيرين، وتبقى عقدة فؤاد شهاب ترافق كل من يتولى قيادة الجيش، لأنّ الوصول إلى المنصب ممكن، أما الوصول إلى الإرث الذي تركه فليس بالأمر السهل.

