العملية الإسرائيلية قرب دمشق… محاكاة لسيناريو عسكري في البقاع

العملية الإسرائيلية قرب دمشق… محاكاة لسيناريو عسكري في البقاع

  • ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥
  • أنطوني سعد

إختيار توقيت كهذا لتنفيذ عملية معقدة في ريف دمشق يوحي بأنّ إسرائيل تريد إختبار نموذجها العملياتي قبل الإنتقال إلى مرحلة أكثر خطورة،

 العملية التي نفذتها إسرائيل اليوم في ريف دمشق لم تكن مجرد إشتباك محدود. ما جرى في محيط «بيت جن» شمل دخول وحدات خاصة، إشتباكات قريبة، تغطية جوية كثيفة، وإستخداماً واضحاً لتقنيات الرصد والمسيّرات. هذا المشهد كشف أنّ إسرائيل لم تكن تختبر صاروخاً أو تستهدف خلية عابرة، بل كانت تنفذ تمريناً فعلياً على نوع من العمليات التي يجري الحديث عنها منذ أسابيع في المنطقة.

فالتضاريس الجبلية في ريف دمشق تشبه بشكل كبير تضاريس البقاع اللبناني، وتحديداً المناطق الوعرة في الهرمل وبعلبك. والخبراء العسكريون يربطون بين العملية التي جرت اليوم وبين ما جرى سابقاً داخل منطقة البترون عام 2024 في عملية «عماد أمهز»، حين نفّذت وحدات خاصة إسرائيلية عملية دقيقة وسريعة داخل عمق مدني. غير أنّ الفارق الجوهري اليوم هو أنّ السيناريو الذي يجري التحضير له قد لا يكون في منطقة بعيدة عن نفوذ حزب الله، بل في قلب مناطقه، داخل البقاع نفسه.

مصادر عربية، بينها مصادر مصرية مطّلعة، تؤكد أنّ تل أبيب باتت تنظر إلى البقاع باعتباره الساحة الأكثر حساسية في أي مواجهة مقبلة. فالبنية العسكرية للحزب في هذه المنطقة تُعدّ الأكثر عمقاً وتعقيداً، وتمتد من مخازن محصّنة إلى ممرات جبلية يصعب ضربها جوّاً. ولهذا، تتعامل إسرائيل مع عمليات كهذه كاختبار لأسلوب يعتمد على وحدات صغيرة، سريعة، تضرب هدفاً محدداً ثم تنسحب قبل توسع الاشتباك. هذا النموذج الذي ظهر اليوم في ريف دمشق هو الشكل الأولي لما يمكن أن يحصل داخل الأراضي اللبنانية.

وتشير المعلومات المتقاطعة من عواصم عربية وأوروبية إلى أنّ إسرائيل تدرس خيار عمليات برّية محدودة داخل البقاع، تستهدف مواقع تعتبرها «مراكز الثقل» في البنية العسكرية للحزب، عبر أسلوب يجمع بين العمل الاستخباري والمسيّرات والإشتباك القريب. الهدف ليس إحتلال أرض، بل ضرب نقاط حساسة يصعب الوصول إليها بالجو فقط.

لكن القراءة الأحدث في الأوساط الأمنية تشير إلى أن العمليات البرّية، إذا انطلقت، لن تقتصر على البقاع فقط. فالنقاش الإسرائيلي الداخلي يشمل سيناريوهات أوسع بكثير، بينها تنفيذ عمليات محدودة في منشآت استراتيجية قرب مطار بيروت، والتحرك داخل منطقة الأوزاعي البحرية، وتنفيذ توغلات خاطفة داخل الضاحية الجنوبية نفسها لاستهداف غرف عمليات أو معدات نوعية. كما يجري درس إحتمال التوغّل العميق في الجنوب وصولاً إلى مناطق تبعد عشرات الكيلومترات عن الحدود، في إطار عمليات سريعة تستهدف مفاصل حساسة قبل العودة إلى الخطوط الخلفية. هذه السيناريوهات تعكس رغبة إسرائيلية واضحة في جعل المعركة المقبلة متعددة الجبهات، لا محصورة في البقاع فقط، وبما يشكل ضغطاً استثنائياً على بنية الحزب داخل عمقه الجغرافي.

التوقيت أيضاً يحمل دلالة. فمع اقتراب انتهاء زيارة البابا، تتزايد التوقعات بأنّ المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد. واختيار توقيت كهذا لتنفيذ عملية معقدة في ريف دمشق يوحي بأنّ إسرائيل تريد إختبار نموذجها العملياتي قبل الإنتقال إلى مرحلة أكثر خطورة، وربما قبل أن تتبدل الظروف السياسية والدولية.

الخلاصة أنّ ما جرى في محيط دمشق ليس عملية معزولة، بل جزء من مسار واضح. إسرائيل تختبر تكتيكاً، تتدرّب على أرض مشابهة، وتعدّ أسلوباً قد تنقله إلى الداخل اللبناني في اللحظة التي تراها مناسبة. والبقاع، بكل طبيعته الوعرة وتشعباته، يبدو الساحة الأكثر احتمالاً لهذا النوع من العمليات، فيما تظلّ إحتمالات إمتدادها إلى أطراف بيروت وقلب الجنوب قائمة إذا اتسع نطاق المواجهة. والأكيد أن أي حرب مقبلة لن تشبه تلك التي شهدها لبنان في عام 2024… لا في الشكل، ولا في الحجم، ولا في طبيعة الأهداف.