خمسون عاماً على مجزرة الدامور: الجريمة التي لم ننساها

خمسون عاماً على مجزرة الدامور: الجريمة التي لم ننساها

  • ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الدامور كانت إنذاراً مبكراً لما سيصيب لبنان حين يُترك لغير أهله، وحين تُدار أرضه بمنطق «الثورة الدائمة» لا بمنطق الدولة.

لم تأتِ الذكرى الخمسون لمجزرة الدامور كتاريخ يُستعاد بهدوء، بل كجرح مؤجّل لم يُكتب له أن يلتئم بعد. نصف قرن مرّ، ولبنان ما زال عاجزاً عن قول الحقيقة كاملة، بلا إنتقائية وبلا حسابات سياسية، كأنّ بعض الدم لا يزال قابلاً للتأجيل، وبعض الضحايا لا يستحقون الذاكرة.

 

في 20 كانون الثاني 1976، لم تُهاجَم الدامور لأنّها ثكنة عسكرية، ولا لأنّها مركز قرار، بل لأنّها كانت موجودة في المكان الخطأ، خارج سردية «المعسكر التقدمي»، وخارج منطق «البندقية التي لا تخطئ». قُتل أهلها لأنّهم لم يكونوا جزءاً من المشروع الفلسطيني – اليساري – الإسلامي المسلّح الذي قرر، في لحظة فائض القوة، أنّ لبنان مجرد ساحة، وأن ناسه تفصيل قابل للمحو.

 

عملياً، لم تكن مجزرة الدامور حدثاً عفوياً ولا اشتباكاً عابراً. سبقتها أسابيع من الحصار والقصف المتقطع، وقطع الطرق، وبثّ الخوف كسياسة مقصودة. وفي فجر الهجوم، دخلت الميليشيات الفلسطينية المتحالفة مع فصائل من اليسار اللبناني البلدة من أكثر من محور، بعد قصف مكثف بالمدفعية والأسلحة الثقيلة. لم يكن في الدامور مواقع عسكرية ولا تحصينات، بل حفنة من الأبطال من أهلها وبيوت مفتوحة على البحر، وعائلات حاولت الهرب تحت النار. قُتل المدنيون في منازلهم وعلى الطرقات، سُحِلت الجثث، نُهبت البيوت، وأُحرقت الكنائس، وتحولت البلدة خلال ساعات إلى مساحة خاوية من أهلها. لم يكن الهدف السيطرة العسكرية بقدر ما كان الإلغاء الكامل، إفراغ المكان من ناسه، وتثبيت منطق أنّ من لا ينتمي إلى المشروع المسلح مصيره الإزالة.

 

لا يحتاج التعاطف مع ضحايا الدامور إلى بلاغة عالية. يكفي الإعتراف بأنّ ما جرى كان جريمة مكتملة الأركان، لا تبرير لها، ولا يمكن اختزالها بـ«رد فعل» أو«سياق حرب». الحرب تفسَّر، لكنها لا تُبرر. ومن يبرر القتل الجماعي، أياً كانت الذريعة، يضع نفسه خارج السياسة وداخل الإجرام.

 

المشكلة الأعمق أنّ مجزرة الدامور لم تُرتكب فقط بالسلاح، بل بالفكر. بفكرة أنّ فلسطين تعلو على لبنان، وأنّ البندقية الفلسطينية، المتحالفة مع يسار لبناني مأخوذ بالقليل من الرومانسية الثورية وبالكثير من التيه، تملك حقّ تقرير مصير القرى والبلدات... والناس. هكذا وُلد منطق الإستباحة، هذا «رجعي»، ذاك «انعزالي»، وتلك بلدة «معادية للثورة»، وبالتالي مباحة.

 

هنا تحديداً، تسقط الأسطورة. اليسار الذي بشّر بالعدالة، مارس أقسى أشكال الظلم. والقضية الفلسطينية، التي استحقت دائماً التضامن السياسي والأخلاقي، تحوّلت، على أرض لبنان، إلى أداة قمع وقتل حين خرجت من إطارها الوطني ودخلت منطق الميليشيا. ما جرى في الدامور لم يكن خدمة لفلسطين، بل كان إحدى أكبر الجرائم التي شوّهت صورتها في الوعي اللبناني.

 

خمسون عاماً، ولا تزال الذاكرة انتقائية. تُستحضر مجازر، وتُدفن أخرى. تُبكى ضحايا، ويُطلب من ضحايا آخرين الصمت بإسم «القضية». الدامور لم تحصل على عدالة، ولا على إعتذار، ولا حتى على إعتراف صريح من القوى التي شاركت أو غطّت أو برّرت. بل جرى، في كثير من الأحيان، تحميل الضحية مسؤولية موتها، وكأنّ الإنتماء الطائفي أو السياسي يُسقط الحق بالحياة.

 

الدفاع عن سيادة لبنان لا يبدأ من الخطابات، بل من هذه الذاكرة. من القول الواضح إنّ أي سلاح خارج الدولة هو مشروع مجزرة مؤجلة. وإنّ أي أيديولوجيا تضع نفسها فوق المجتمع، ستنتهي حتماً إلى سحقه. أما الدامور فكانت إنذاراً مبكراً لما سيصيب لبنان حين يُترك لغير أهله، وحين تُدار أرضه بمنطق «الثورة الدائمة» لا بمنطق الدولة.

 

اليوم، بعد نصف قرن، لا نكتب عن الدامور للثأر، بل للحقيقة. للحقيقة التي تقول إنّ لبنان دفع ثمناً لمعارك لا تخصه، وإنّ الفلسطينيين خُدعوا حين قيل لهم إنّ «بيروت طريق العودة» وإنّ «طريق القدس تمر بجونيه»، فيما اليسار اللبناني أخطأ حين ظن أنّ الأخلاق والقيم تُعلّق عند فوهة البندقية.

 

الدامور ليست مجرد ذكرى، بل معيار. معيار للسيادة، وللعدالة، وللقدرة على مواجهة الماضي بلا تزييف. ومن لا يملك شجاعة الإعتراف بمجزرة الدامور، لن يملك يوماً مشروع دولة. وفي بلد كلبنان، الدولة وحدها هي الضمانة… وكل ما عداها، مهما تزيّن بالشعارات والإيديولوجيا ومصلحة الطائفة، هو دعوة مفتوحة إلى مجزرة جديدة.