"مجلس السلام".. كيف سيحكم ترامب العالم؟
"مجلس السلام".. كيف سيحكم ترامب العالم؟
القوة الفردية تتجاوز المؤسسات، والشرعية الجماعية تتلاشى أمام إرادة من يملك النفوذ المالي والسياسي.
في أجواء "منتدى دافوس"، برز إقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب كإشارة إنذار عنيفة لمستقبل النظام الدولي، عبر إنشاء ما أطلق عليه "مجلس السلام". مبادرة يبدو من إسمها أنّها تهدف إلى تعزيز الإستقرار، لكنها في واقعها مشروع لإعادة هيكلة السلطة العالمية وتحويل مفاهيم الشرعية والمؤسسات متعددة الأطراف إلى مجرد واجهات رمزية، بينما تتركز القرارات الفعلية بيد قوة واحدة.
الفكرة بدأت كخطة لإنهاء حرب غزة، لكنها توسّعت لتشمل حلّ النزاعات في مختلف أنحاء العالم، لتصبح أداة مباشرة للهيمنة الأميركية، وتضع أسساً جديدة لقواعد اللعبة الدولية، تتجاوز مجلس الأمن الدولي، وتقوض مبدأ القرار الجماعي الذي صمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفق مسودة الميثاق المؤسِّس لـ"مجلس السلام"، سيكون ترامب أول رئيس لمجلس الإدارة، ويتمتع بسلطات تنفيذية واسعة تتضمن حقّ النقض على أي قرار للمجلس، وعزل أي عضو، وتعيين المسؤولين التنفيذيين في المجلس، ما يضع بين يديه مفتاح صنع القرار الدولي بشكل غير مسبوق. العضوية مفتوحة للدول لمدة ثلاث سنوات، لكن يمكن تحويلها إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية تصل إلى مليار دولار، ما يحوّل السيادة الوطنية إلى سلعة يمكن شراؤها، ويضع الدول الصغيرة والمتوسطة أمام خيار الدفع أو الإستبعاد، بعيداً عن مبادئ المساواة الدولية والتمثيل العادل.
حتى الآن، قَبِل نحو 35 من قادة العالم الدعوة للإنضمام، من أصل نحو 50 دعوة أُرسلت، بينهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مثل إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر، إضافة إلى تركيا والمجر والمغرب وباكستان وإندونيسيا وكوسوفو وأوزبكستان وكازاخستان وباراجواي وفيتنام، وأرمينيا وأذربيجان، بالإضافة إلى موافقة مثيرة للجدل من روسيا البيضاء التي طالما عُزلت دولياً بسبب سجلها في حقوق الإنسان ودعمها للحرب الروسية في أوكرانيا.
بالمقابل، رفضت دول كبرى مثل فرنسا والنرويج المشاركة، فيما أبقى حلفاء تقليديون مثل بريطانيا وألمانيا واليابان وكندا مواقفهم مفتوحة، ولا تزال الصين وروسيا تدرسان الدعوة بحذر، على الرغم من تصريحات متناقضة حول استعدادهما لتقديم مساهمات مالية. هذه الإختلافات تعكس هشاشة الإتفاقات التقليدية بين القوى الكبرى، وكم أنّ النظام الدولي القديم أصبح عرضة للتفكّك أمام المبادرات الأحادية.
التفويض الممنوح لـ«مجلس السلام» من مجلس الأمن الدولي حتى عام 2027 يقتصر عملياً على غزة، لكنه يترك صلاحيات المجلس خارج غزة غير محددة، كما أنّ أدوات الإنفاذ القانونية، وطبيعة التعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، لا تزال غامضة. أما الهيكلية التي رسمها الميثاق، فتمنح الرئيس الأميركي سلطة غير مسبوقة، مثل التحكم بالقرارات، تعيين وإقالة الأعضاء، توجيه التمويل، وإدارة نشر القوات الدولية في مناطق النزاع. هذا كله يخلق نظاماً موازياً لمجلس الأمن والأمم المتحدة، يقوّض دورهما، ويضع السلطة في أيدي قوة واحدة لا تخضع للمساءلة الجماعية.
ما يثير القلق ليس مجرد النفوذ، بل تحويل السلام نفسه إلى أداة للسيطرة المباشرة. الدول غير المدعوة أو غير القادرة على الإنضمام تتحوّل إلى موضوعات للقرار، لا أطرافاً فاعلة في صياغة السلام. وبهذا، لا يكون السلام هدفاً بقدر ما يكون وسيلة لتأكيد الهيمنة، فيما القرار الدولي يصبح إمتيازاً وليس حقاً مشتركاً. هذا التوجه يمثل نهاية النظام الدولي القديم الذي نشأ بعد 1945، والذي حاول حتى وإن كان ناقصاً، أن يوازن بين القوة والشرعية الجماعية، ويضع آليات للحد من الإنتهاكات الفردية للسيادة والقانون الدولي. فالنظام الذي قام على مبدأ التعدّدية والمؤسسات متعدّدة الأطراف، صار اليوم مهدداً بمجلس يركز القرار بيد رئيس دولة واحدة، ويعيد توزيع القوة على أساس النفوذ المباشر والدفع المالي، بعيداً عن التمثيل المتساوي والشرعية القانونية.
"مجلس السلام" ليس مجرد إطار إداري لحل النزاعات، بل إعلان عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية. مرحلة ما بعد النظام الدولي القائم، حيث القوة الفردية تتجاوز المؤسسات، والشرعية الجماعية تتلاشى أمام إرادة من يملك النفوذ المالي والسياسي. في هذا العالم الجديد، لا تُصاغ القواعد ولا تُحترم، بل تُفرض، والسلام ليس سوى غطاء للمصالح.
باختصار، ما يطرحه ترامب ليس مجرد فكرة سلام، بل محاولة جدية لإعادة رسم النظام الدولي، حيث تختفي الضوابط التقليدية، ويصبح القرار مركزياً، وتُستبعد المؤسسات الدولية التي شكلت النظام العالمي لما يقارب ثمانية عقود. وفي هذا الواقع الجديد، لا يمكن للدول أن تفترض أنّ التمثيل الدولي أو القانون الدولي سيحميها، بل يجب أن تدرك أنّ السلطة أصبحت امتيازاً يُحتكر، وأنّ السلام، كما يُقدَّم اليوم، أصبح مشروع قوة، لا مشروع قانون.
وفي النهاية، يتضح أنّ "مجلس السلام" ليس مجرد مبادرة إدارية أو محاولة إصلاحية للنظام الدولي، بل أداة مباشرة لتمكين الرئيس الأميركي من السيطرة على العالم بأسره. لن يقتصر دور ترامب على كونه رئيساً للمجلس، بل سيصبح الحاكم الفعلي لنظام دولي جديد، حيث تمرّ جميع القرارات العالمية، من النزاعات إلى التمويل، عبر إرادته وحده. بهذا الشكل، يتحوّل العالم إلى امتداد مباشر لإرادته، وتُستبدل المؤسسات الجماعية بالهيمنة الفردية. إذاً، أهلاً بكم في عالم يحكمه دونالد ترامب بالقوة، ودون أي منافس.

