إيران.. من الشاه إلى الثورة، دائرة التراجع التدريجي

إيران.. من الشاه إلى الثورة، دائرة التراجع التدريجي

  • ٠٥ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

الاحتجاجات لم تعد مجرد رد فعل ظرفي، بل تحوّلت إلى مسار تراكمي يتقدم بثبات. قد لا تكون لحظة السقوط قريبة زمنياً، لكن الإتجاه بات واضحاً.

في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط، تبدو إيران أمام منعطف لم تعرفه منذ قيام الجمهورية الإسلامية. مسار طويل بدأ أواخر السبعينات يقترب اليوم من خواتيمه السياسية وربما التاريخية، بعدما فقد النظام الإيراني الوظيفة التي وُلد من أجلها في الحسابات الدولية والإقليمية.

عندما رفض محمد رضا بهلوي، شاه إيران، أن يكون رأس حربة في المشروع الغربي لمحاربة الإسلام السنّي المتطرّف، ذلك الخطر الذي استشعر هنري كيسنجر ملامحه منذ أواخر السبعينات، فُتح الباب أمام بديل آخر. الشاه لم يكن مستعداً للعب دور الشرطي الإقليمي، ولا لتحويل إيران إلى أداة في مواجهة تيار ديني صاعد. هذا الرفض شكّل لحظة القطيعة التي سبقت سقوطه، ومهّد لانقلاب جذري في وظيفة الدولة الإيرانية.

الثورة الإيرانية لم تكن نتاج قوة واحدة، بل حصيلة تقاطع مصالح متناقضة. طلاب ويساريون مدعومون من السوفيات رأوا في الشاه أداة غربية يجب إسقاطها، وملالي ومؤسسة دينية حظوا بتسهيلات ودعم غربي غير مباشر في لحظة الصراع مع المعسكر الشيوعي. ويكفي التذكير أنّه لو رُفض في مطار شارل ديغول خروج الخميني من المطار، لانتصر مسار آخر في الثورة، ولكان وجه الشرق الأوسط تغيّر جذرياً، وربما تخلّص مبكراً من ظاهرة الإسلام السياسي الملتحي التي تحولت لاحقاً إلى قوة عابرة للحدود.

وهكذا وُلدت أول دولة حديثة ذات حكم إسلامي شيعي، دولة أدّت عملياً الدور الذي رفضه الشاه؛ مواجهة الإسلام السني المتطرف، بعد أن كانت قد ساهمت بشكل غير مباشر في دفعه إلى الواجهة. اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، زال هذا الخطر إلى حدّ بعيد، ولم يعد النظام الإيراني ضرورة في الحسابات الدولية. انتهى الدور، وبقي العبء.

النظام الذي قام على تصدير الثورة، وبلغ ذروة تمدده بالسيطرة على أربع عواصم عربية وبناء ما سُمّي الهلال الشيعي من بيروت إلى طهران، يشهد اليوم تفكك هذا الهلال. النفوذ تراجع، الأذرع استُنزفت، والمحور الذي بُني على فائض القوة بات مكلفاً إلى درجة تهديد الداخل الإيراني نفسه.

إيران التي قُدّمت كدولة عظمى إقليمية، تعرّضت لضربات مباشرة وغير مباشرة من إسرائيل، من دون أن تحقق أي إنجاز استراتيجي حقيقي في المقابل. كل ما تحقق كان وهماً دعائياً، فيما الواقع العسكري والسياسي يؤكد أنّ ميزان الردع لم ينقلب، وأنّ كلفة المواجهة كانت أعلى بكثير من قدرة الدولة على تحمّلها.

في الداخل، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، جرّب النظام أدواته التقليدية. لكن حين لم تنفع القوة، واصطدم البسيج بالناس الذين كسروا حاجز الخوف، على الرغم من سطوة أجهزة حماية النظام وقسوتها، بدأ التصدّع يظهر بوضوح. القمع لم يعد كافياً، والردع لم يعد مطلقاً، والشارع الإيراني أثبت أنّه لم يعد كما كان.

 

عند هذا الحد، انتقلت السلطة من منطق القبضة الحديدية إلى سياسة الاسترضاء. وعود ومساعدات مالية شاملة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وتهدئة شعب حوّلته الثورة الإسلامية، بعد أكثر من أربعة عقود، إلى شعب يعيش تحت مستوى الفقر. هذا الإنتقال من العصا إلى الجزرة لم يكن خياراً سياسياً مدروساً، بل اعترافاً ضمنياً بفشل القوة وحدها في ضبط الداخل.

وفي هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكشف حجم التحوّل في النظرة الدولية إلى النظام الإيراني. ترامب أعلن صراحة أنّ الولايات المتحدة ستتدخل إذا أقدم النظام الإيراني على إطلاق النار وقتل المتظاهرين السلميين، في لهجة تهديد غير مسبوقة تجاه طهران. هذا الموقف لا يمكن اعتباره خطاباً عاطفياً أو تغريدة ظرفية، بل رسالة سياسية واضحة بأنّ النظام لم يعد محمياً دولياً كما في السابق، وأنّ القمع الدموي لم يعد شأناً داخلياً محصّناً. الأخطر بالنسبة لطهران أنّ الملف الداخلي بات جزءاً من معادلة الشرعية الدولية، لا مجرد تفصيل ثانوي خلف الصراع الإقليمي.

الدولة التي جوّعت شعبها لتصبح عظمى، أضاعت ثرواتها خارج حدودها. المال تبخر في حروب الآخرين، والاقتصاد انهار في الداخل، والعملة فقدت قيمتها، والمجتمع يعيش حالة إنهاك عميقة. اليوم، تتكشف حقيقة الرهان؛ لا دولة عظمى تحققت، ولا مشروع إقليمي صمد، ولا رفاه داخلي بُني.

الشارع الإيراني بدأ يستفيق على هذه الحقيقة. الاحتجاجات لم تعد مجرد رد فعل ظرفي، بل تحوّلت إلى مسار تراكمي يتقدم بثبات. قد لا تكون لحظة السقوط قريبة زمنياً، وقد يستغرق الأمر سنوات، لكن الاتجاه بات واضحاً. نظام قمع كل شيء وخنق كل شيء بإسم الدين، يواجه اليوم شعباً لم يعد يؤمن بالرواية ولا يخشى كلفة المواجهة.

ما يجري ليس انفجاراً عابراً، بل نهاية مشروع. والمشاريع حين تفقد وظيفتها، لا تسقط دفعة واحدة، لكنها تسقط حتماً.