الهجوم على إيران حاصل… والتصريحات الأميركية ليست إلا غطاء
الهجوم على إيران حاصل… والتصريحات الأميركية ليست إلا غطاء
التجربة أثبتت أنّ اللحظة التي يُكثر فيها الرئيس الأميركي من الحديث عن الدبلوماسية، تكون غالباً هي نفسها اللحظة التي تسبق الضربة.
منذ المؤتمر الصحافي الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب، انطلقت موجة واسعة من التحليلات في الإعلام الغربي والعربي، خلص معظمها إلى نتيجة واحدة: التوتر مع إيران تراجع، وخيار الحرب بات مستبعداً. هذا الاستنتاج، وإن بدا مريحاً، يتجاهل نمطاً متكرراً في سلوك ترامب السياسي والعسكري، ويغفل مؤشرات ميدانية لا يمكن القفز فوقها.
التاريخ القريب يقدّم نموذجاً واضحاً. في حرب إيران عام 2025، أعلن ترامب صراحة أنّه سيمنح طهران مهلة أسبوعين قبل أي عمل عسكري. بعد أقل من 24 ساعة، كانت الضربات قد نُفذت. الرسالة كانت واضحة: التصريحات العلنية ليست التزاماً سياسياً، بل أداة تضليل تكتيكي. الأمر نفسه تكرّر في الملف الفنزويلي، حين شدّد ترامب مراراً على تفضيله «الحل الدبلوماسي»، وأكد علناً أنّه أجرى إتصالاً هاتفياً مع نيكولاس مادورو، قبل أن تنتهي المسألة بعملية عسكرية خاطفة أخرجت الأخير من المشهد.
إنطلاقاً من هذه السوابق، يصبح من الصعب التعامل مع خطاب «خفض التوتر» الحالي مع إيران كتحوّل استراتيجي حقيقي. فترامب، أكثر من أي رئيس أميركي آخر، استخدم الإعلام كأداة لإرباك الخصم لا لطمأنته. ما يُقال في المؤتمرات الصحافية لا يعكس بالضرورة ما يُحضَّر في غرف العمليات.
الأخطر من ذلك، أنّ الوقائع الميدانية تناقض تماماً رواية التهدئة. مصادر عسكرية أوروبية مطّلعة تؤكد حصول حركة غير اعتيادية للطيران العسكري الأميركي، مع انتقال كثيف لطائرات قتالية ودعم لوجستي من قواعد أميركية في أوروبا باتجاه مسرح الشرق الأوسط. بالتوازي، جرى رصد تحرك حاملة طائرات أميركية واحدة على الأقل نحو المنطقة، إضافة إلى شحنات كبيرة من منظومات باتريوت نُقلت إلى إسرائيل وقواعد أميركية منتشرة في الخليج.
هذه التحركات لا تُفسَّر على أنّها إجراءات روتينية أو دفاعية بحتة. الولايات المتحدة لا تستطيع تنفيذ ضربة واسعة ضد إيران من دون تحضير مسبق، سواء على مستوى الإنتشار الجوي، حماية القواعد، أو تأمين التفوق الصاروخي. الحرب مع إيران، بخلاف عمليات محدودة في ساحات أخرى، مكلفة ومعقّدة، وتتطلب وقتاً لإعادة التموضع وبناء الجاهزية.
من هنا، فإنّ ما يجري اليوم ليس تراجعاً عن خيار الحرب، بل مرحلة ما قبل التنفيذ. التهدئة الإعلامية تهدف إلى خفض منسوب الإستنفار الإيراني، وتفادي ردود إستباقية، وامتصاص الضغوط الدولية إلى حين اكتمال الإستعدادات العسكرية.
الخلاصة أنّ الخطأ لا يكمن في قراءة نبرة ترامب، بل في تصديقها. التجربة أثبتت أنّ اللحظة التي يُكثر فيها الرئيس الأميركي من الحديث عن الدبلوماسية، تكون غالباً هي نفسها اللحظة التي تسبق الضربة. وفي حالة إيران، كل المؤشرات الميدانية تقول إنّ القرار اتُّخذ، وما يجري الآن ليس إلا عدّاً عكسياً.

