الشهرة والسلطة والجنس.. الجانب الأكثر هشاشة في عالم المشاهير

الشهرة والسلطة والجنس.. الجانب الأكثر هشاشة في عالم المشاهير

  • ٠٦ شباط ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

يعتمد بعض أصحاب النفوذ منطقًا نفسيًا خطيرًا يقوم على فكرة "أنا أستطيع، إذًاً يحق لي".

لم يكن ظهور مايكل جاكسون في صور ضمن ملفات جيفري إبستين المفرج عنها حديثًا هو الشرارة الحقيقية لإعادة فتح الجدل حوله، بل ما حمله وثائقي جديد من تسجيلات صوتية غير مسموعة سابقًا، كشف فيها نجم البوب الراحل عن أفكاره ومشاعره تجاه الأطفال، بعبارات وُصفت بأنّها صادمة ومقلقة. عبارات لم تُستخدم لإدانته قانونيًا، لكنها أعادت طرح السؤال الأخطر: ماذا تفعل الشهرة المطلقة بالحدود النفسية والأخلاقية لأصحابها؟

في سلسلة The Trial التي تُعرض على Channel 4، يُسمع صوت جاكسون وهو يقول إنّ الأطفال كانوا ينجذبون إلى شخصيته، ويرغبون في لمسه واحتضانه، مضيفًا: "أحيانًا كان ذلك يوقعني في المتاعب". هذه التسجيلات، التي يقول صناع الوثائقي عنها إنّها لم تُعرض من قبل، أعادت فتح ملف أُغلق قضائيًا عام 2005، لكنه لم يُغلق يومًا في الوعي العام.

الوثائقي لا يهدف إلى إعادة محاكمة جاكسون، بقدر ما يسعى  وفق شركة Wonderhood Studio إلى تجاوز "السيرك الإعلامي" الذي رافق قضيته، وطرح أسئلة أعمق تتعلق بالشهرة، والسلطة، والعرق، وكيف يعمل نظام العدالة الأميركي عندما يكون المتهم نجمًا عالميًا. فجاكسون بُرِّئ من جميع التهم بعد محاكمة استمرت 14 أسبوعًا، لكن التسجيلات الجديدة نقلت النقاش من ساحة القضاء إلى ساحة التحليل النفسي والأخلاقي.

في هذا السياق، يوضح اختصاصيون في السلوك الجنسي أنّ قضايا المشاهير الجنسية نادرًا ما تكون معزولة عن بنية السلطة التي يعيشون داخلها. فبحسب خبراء، يعتمد بعض أصحاب النفوذ منطقًا نفسيًا خطيرًا يقوم على فكرة: "أنا أستطيع، إذًا يحق لي". هذا المنطق، يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الحدود الأخلاقية، والنفسية معاً.

تقول شارون أوهارا، مديرة عيادة "Sexual Recovery Institut" في لوس أنجلوس، والمتخصصة في علاج الإدمان الجنسي، إنّ جوهر المشكلة لا يكمن في الرغبة الجنسية بحد ذاتها، بل في الإحساس بالإستحقاق الذي تولّده السلطة. وتضيف: "رأيت الكثيرين في هوليوود ممن لا يفكرون إلا بالجنس. السلطة تجعل الشخص يشعر بأنّه فوق القواعد، وفوق المحاسبة". وترى أوهارا أنّ الإدمان الجنسي غالبًا ما يكون مرتبطًا باعتلال إجتماعي، قد يقود بعض المرضى إلى سلوكيات جرمية إذا لم تُكبح مبكرًا.

لكن أوهارا تشدّد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين الإدمان الجنسي والإنحراف الجنسي. فالإدمان، وفق تحليلها، "لا ضحية له سوى المريض نفسه"، بينما يبدأ الإنحراف الجنسي في اللحظة التي يسقط فيها مفهوم الرضا والموافقة المتبادلة في العلاقة. وتوضح: "ما إن يشعر الإنسان بأنّه يريد علاقة من دون موافقة الطرف الآخر، نكون قد خرجنا من إطار المرض إلى إطار الجريمة".

هذا التمييز يتقاطع مع ما يطرحه روبرت فايس، الباحث ومؤلف كتاب "Why Men in Power Act Out"، الذي يرى أنّ الإدمان الجنسي منتشر بشكل واسع بين رجال السلطة والشهرة. ويشرح فايس أنّ البيئة التي يعيش فيها المشاهير، تحت الأضواء والحصول على الإعجاب الدائم، دون ضوابط وحدود واضحة، كلها  تخلق ظروفًا مثالية لتضخم الأنا، ما يجعل بعضهم يفقد القدرة على إدراك الخطوط الحمراء.

وفي حين تثار قضايا المشاهير في الإعلام بشكل واسع، يشير اختصاصيون إلى أنّ رجال السياسة نادرًا ما يُتهمون أو يُدانوا في جرائم جنسية، ليس بالضرورة لغياب الجرائم، بل لأنّ الضحايا غالبًا ما يحجمون عن التقدم بشكاوى خوفًا من النفوذ والإنتقام. غير أنّ هذه القاعدة لم تنطبق على الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف، الذي حُكم عليه بالسجن سبع سنوات بعد إدانته بالإغتصاب، ولا على رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلوسكوني، الذي لاحقته قضايا تتعلق بتقديم المال لقاصر مقابل الجنس.

أما في حالة مايكل جاكسون، فإنّ صورته التي ظهرت ضمن ملفات جيفري إبستين زادت من حدة الجدل، رغم عدم وجود أي دليل على علاقة مباشرة أو علم مسبق بجرائم إبستين. فالصورة، بحد ذاتها، لا تُدين، لكنها تبقى في مناخ الشك العام، تتحول رمزياً إلى سؤال أكبر حول شبكة العلاقات التي تحيط بعالم النفوذ.

بين تسجيلات صوتية تخرج بعد الوفاة، ووثائقي يعيد قراءة محاكمة انتهت بالبراءة، وتحليلات نفسية تضع الشهرة في قفص الإتهام، يبقى إرث مايكل جاكسون منقسمًا. ليس بين مذنب وبريء فقط، بل بين فن خالد، ونظام شهرة قد يكون، في أحيان كثيرة، البيئة الأخطر على النفس البشرية حين تُرفع عنها كل الضوابط.