ابن بيروت الذي غنّى للإنسان: وداعًا أحمد قعبور
ابن بيروت الذي غنّى للإنسان: وداعًا أحمد قعبور
بلهجة البيارتة، أحمد قعبور كان «زلمي آدمي» وفي زمن صارت فيه الآدمية عملة نادرة، كان هو من القلائل الذين لم يخسروها.
في بيروت، المدينة التي تتعب ولا تموت، يولد أناس يشبهونها… يبتسمون رغم كل شيء، ويغنّون حين يصمت الآخرون. أحمد قعبور لم يكن فقط فنانًا. كان إبن هذه المدينة، إبن رصيفها، إبن بحرها، وإبن ناسها الذين يعرفون أنّ الكرامة ليست شعارًا، بل سلوكًا يوميًا.
لم يغنِّ أحمد قعبور للمقاومة وفلسطين كاستعراض، ولا كوظيفة، ولا كشعارات جاهزة. غنّى لها كفعل إنساني، كقيمة أخلاقية، كصوت ناس عاديين يريدون أن يعيشوا بكرامة. ومن هنا كانت أغانيه مختلفة… نظيفة… صادقة.
حين غنّى «أناديكم»، لم يكن ينادي حزبًا ولا محورًا. كان ينادي الإنسان. وحين غنّى لبيروت، لم يغنِّ لمدينة على الخريطة، بل لمدينة في القلب لبحرها، لشوارعها، ولوجوه ناسها الذين يعرفهم واحدًا واحدًا.
وحين غنّى لرفيق الحريري، غنّى لمشروع، بكل ما له وما عليه، لكنه مشروع لم يقُم على الموت، ولم يقدّم العنف كهوية. وحين وقف وغنّى لسوريا الثورة «ما حدا ينطر، قوموا نغنّي»... لم يكن يزايد، بل كان يعلن انحيازه الواضح: إلى الناس، إلى الحرية، إلى الأرض التي «قلبا كبير».
أحمد قعبور لم ينصع. وهذه وحدها تكفي.
في زمن صار فيه الغناء تبريرًا، رفض أن يغنّي للقتلة. في زمن صار فيه الفن ملحقًا بالسلاح، رفض أن يكون صدى له. لم يساوم، لم يناور، ولم يختبئ خلف شعارات كبيرة ليغطي صمتًا صغيرًا.
بل أكثر من ذلك غنّى في خيمة الشهيد لقمان سليم، على بعد أمتار من وجع مرفأ بيروت. غنّى هناك حيث يجب أن يكون الفن: في مواجهة القتل، لا في تبريره.
غنّى للبشر… للأرض… لوجعها وأملها.
غنّى لحمزة الخطيب، ولوجوه لا تُعرف أسماؤها، لكنها تصنع معنى الحياة.
وفي كل ذلك، بقي كما هو: إبن بيروت.
تلتقيه في الحمرا، يمشي بهدوء، بابتسامة خجولة، وعينين فيهما بريق لا ينطفئ. لا استعراض، لا ادّعاء، ولا تلك المسافة المصطنعة التي يضعها بعض الفنانين بينهم وبين الناس. كان واحدًا منهم… وربما أجمل ما في الأمر، أنّه بقي واحدًا منهم حتى أخر دمعة و أخر رمق.
بلهجة البيارتة، وبطيبتهم، أحمد قعبور كان «زلمي آدمي».
وفي زمن صارت فيه الآدمية عملة نادرة، كان هو من القلائل الذين لم يخسروها.
لهذا، رثاؤه ليس مجرد وداع لفنان.
هو وداع لزمن… أو لما تبقّى منه.
وداعًا أحمد قعبور،
يا من غنّيت للإنسان حين تخلّى عنه الجميع.

