ليس تطويباً للبنان الكبير.. بل تذكيراً بمعناه

ليس تطويباً للبنان الكبير.. بل تذكيراً بمعناه

  • ٢٧ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الاحتفاء بالحويّك لا يعني توجيه رسالة إقصائية إلى سائر اللبنانيين. بل إنّه تذكير بأنّ قيام لبنان لم يكن صدفة، بل ثمرة مشروع سياسي ودبلوماسي وشجاعة تاريخية.

ads

لم يكن تطويب البطريرك الياس الحويّك حدثاً دينياً فحسب. كان حدثاً ذا أبعاد تاريخية ووطنية أيضاً. وهذا ما يفسّر حجم النقاش الذي سبقه وأعقبه، وربما حجم الانقسام حوله.

فجأة، عاد السؤال الأهم الذي لم يُحسم قبل أكثر من قرن: هل كان إعلان لبنان الكبير خطأ؟

خرجت أصوات تقول إنّ الحويّك لم يكن بعيد النظر، لأنّه ضمّ إلى جبل لبنان مناطق ذات أكثرية مسلمة، فاختل التوازن الديموغرافي والسياسي. وذهب آخرون أبعد من ذلك، معتبرين أنّ تطويب الحويّك ليس سوى «تطويب سياسي»، تريد الكنيسة المارونية من خلاله أن تقول إنّها هي التي أنشأت لبنان الكبير، وهي التي ما زالت تحرس فكرته.

لكن هل هذا استنتاج خاطئ؟ ليس بالضرورة. فالكنيسة المارونية لم تخفِ يوماً أنّها تعتبر نفسها شريكاً أساسياً ومؤسساً في ولادة لبنان الحديث. والبطريرك الحويّك لم يكن مجرد رجل دين، بل كان أحد أبرز من حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس، وطالب بدولة تتجاوز حدود المتصرفية إلى الساحل والشمال والبقاع والجنوب. هذا ليس رأياً سياسياً، بل حقيقة تاريخية.

لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني احتكار الوطن، كما أنّ الاحتفاء بالحويّك لا يعني توجيه رسالة إقصائية إلى سائر اللبنانيين. بل يمكن قراءته على أنّه تذكير بأنّ قيام لبنان لم يكن صدفة، بل ثمرة مشروع سياسي ودبلوماسي وشجاعة تاريخية.

أما أخطر ما ظهر في الأيام الأخيرة، فهو محاولة تحميل الحويّك مسؤولية كل ما أصاب لبنان خلال المئة عام الماضية، وكأنّ الرجل كان يستطيع أن يتنبأ بالحروب والانقلابات والوصايات والاحتلالات، وبنشوء الميليشيات، وبتحوّل السلاح إلى شريك للدولة، وبالانهيار الاقتصادي.

هذا ليس نقداً تاريخياً، بل محاكمة ظالمة بأثر رجعي.

والأخطر من ذلك أنّ بعض النقاشات انزلقت إلى ما يشبه التبرؤ من لبنان الكبير نفسه، وكأنّ أبناء الأطراف أصبحوا عبئاً على أبناء جبل لبنان، أو كأنّ المسيحيين الذين بقوا في عكار والقبيات والبقاع وراشيا وحاصبيا ومرجعيون والجنوب هم خطأ جغرافي كان يجب تجنبه.

ماذا نقول لمسيحيي رميش والقاع ورأس بعلبك والقبيات؟ ماذا نقول لمن دفعوا أثمان الحروب والاحتلالات والتهجير لأنّهم تمسكوا بلبنان؟ هل نقول لهم اليوم إنّ وجودهم كان خطأ في حسابات البطريرك الحويّك؟

إنّ من يهاجم لبنان الكبير من هذا المنطلق، قد لا يدرك أنّه يهدم، من حيث لا يريد، الفكرة التي حافظت على الحضور المسيحي في كل لبنان، لا في زاوية منه فقط.

نعم، للبنان الكبير مشكلاته. نعم، التجربة تعثرت، والنظام يحتاج إلى إصلاحات عميقة. لكن المشكلة لم تكن في حدود الكيان، بل في من حكموا هذا الكيان، وفي من صادروا الدولة، وفي من جعلوا السلاح أقوى من الدستور..

أما القول إنّ الحل كان في «لبنان الصغير»، فهو تبسيط مخلّ للتاريخ. فلا أحد يستطيع أن يثبت أنّ كياناً أصغر كان سيحظى باستقرار أكبر، أو أنّه كان سينجو من الحروب الإقليمية، أو من الانقسامات الداخلية.

ربما أرادت الكنيسة، من خلال تطويب الحويّك، أن تقول شيئاً بسيطاً: إنّ لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل فكرة تستحق الدفاع عنها. وإنّ مؤسس الدولة الحديثة لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل عن وطن يعتقد أنّه قادر على احتضان التعددية.

قد يختلف اللبنانيون حول النظام السياسي، وحول توزيع الصلاحيات، وحتى حول شكل الدولة. لكن التشكيك بجوهر لبنان الكبير، بعد أكثر من قرن على قيامه، ليس مشروعاً إصلاحياً، بل دعوة إلى فتح الجروح المؤسِسة للكيان من جديد. ولبنان اليوم، بكل أزماته، يحتاج إلى ترميم دولته، لا إلى إعادة التفاوض على ولادته.

ads
ads