تايوان.. الجزيرة التي قد تشعل صراع الكبار

تايوان.. الجزيرة التي قد تشعل صراع الكبار

  • ٣١ تموز ٢٠٢٦
  • شادي روكز

في مساعيها لاستعادة تايوان، لا تبدأ الصين من حاملات الطائرات، بل من فلسفة صن تزو: «أعظم فنون الحرب هو إخضاع العدو من دون قتال»

منذ أكثر من سبعة عقود، لا تزال تايوان تمثل إحدى أخطر بؤر التوتر في العالم، ليس بسبب مساحتها أو عدد سكانها، بل لأنّها أصبحت نقطة التقاء المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية بين أكبر قوّتين عالميتين: الصين والولايات المتحدة.

تعود جذور الأزمة إلى عام ١٩٤٩، عندما انتهت الحرب الأهلية الصينية بانتصار الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ، فيما انسحبت حكومة جمهوريّة الصين إلى جزيرة تايوان، حيث واصلت عملها من هناك. ومنذ ذلك الحين، تعتبر بكين أنّ الجزيرة جزء لا يتجزأ من أراضيها، وتؤكد أنّ إعادة توحيدها مع البر الرئيسي هدف لا يمكن التخلّي عنه، سواء بالوسائل السلمية أو بالقوة إذا اقتضى الأمر.

في المقابل، تطورت تايوان خلال العقود الماضية لتصبح دولة تتمتع بنظام سياسي ديمقراطي واقتصاد متقدم وقوات عسكرية مستقلة، على الرغم من أنّ معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، لا تعترف بها رسمياً كدولة ذات سيادة، التزاماً بسياسة «الصين الواحدة».

لكن أهميّة تايوان اليوم تتجاوز بكثير البعد التاريخي والسياسي. فالجزيرة أصبحت مركزاً عالميّاً لصناعة أشباه الموصلات والشرائح الإلكترونيّة المتقدمة، التي تُعد العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، والحواسيب، والهواتف الذكيّة، وأنظمة الأسلحة الحديثة، والاقتصاد الرقمي العالمي. ولهذا السبب، فإنّ أي صراع حولها لن يكون مجرد نزاع إقليمي، بل أزمة قد تهز الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.

ومنذ عام ٢٠٢٢، صعّدت الصين ضغوطها العسكريّة عبر تنفيذ مناورات بحريّة وجويّة واسعة النطاق حول الجزيرة، في إطار سياسة تهدف إلى زيادة الضغط على تايبيه من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرة. وتعتمد بكين في ذلك نهجاً ينسجم مع فلسفة القائد العسكري الصيني القديم صن تزو، الذي قال: «أعظم فنون الحرب هو إخضاع العدو من دون قتال».

في المقابل، تنتهج الولايات المتحدة سياسة معقدة تقوم على الاعتراف بسياسة «الصين الواحدة»، مع الاستمرار في تزويد تايوان بالأسلحة وتعزيز قدراتها الدفاعية، إلى جانب الحفاظ على ما يُعرف بـ«الغموض الاستراتيجي»، أي الامتناع عن إعلان ما إذا كانت ستتدخل عسكرياً في حال تعرض الجزيرة لهجوم صيني.

وهنا تكمن العقدة الأساسية. فأي حصار صيني أو محاولة للسيطرة على تايوان بالقوة قد يضع واشنطن أمام قرار مصيري: التدخل والدخول في مواجهة مباشرة مع الصين، أو الامتناع عن ذلك بما قد ينعكس على مصداقية التزاماتها الأمنية في آسيا. ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات دولية أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط.

حتى الآن، لا تبدو الحرب وشيكة، كما أنّ بكين لا تُظهر استعجالاً للجوء إلى القوة العسكرية. إلّا أنّ تايوان تحوّلت إلى نقطة اختبار حقيقية للنظام الدولي، بين الصين التي تسعى إلى استعادة ما تعتبره جزءاً من أراضيها، والولايات المتحدة التي ترى في الدفاع عن الجزيرة جزءاً من استراتيجيتها للحفاظ على توازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي ظل هذه المؤشرات، لم تعد تايوان مجرد جزيرة متنازع عليها، بل أصبحت إحدى أهم الساحات التي قد ترسم ملامح النظام العالمي في العقود المقبلة، وتحدد شكل المنافسة بين القوتين الأعظم في القرن الحادي والعشرين.