نبيه بري و نهاية الحلم الكبير!

نبيه بري و نهاية الحلم الكبير!

  • ٠١ آب ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

الرجل الذي قضى عمره كله يقاتل من أجل البقاء في الموقع، يكتشف في نهاية الطريق أنّ الموقع لا يصنع التاريخ وحده.

منذ حداثة عمره حلم نبيه بري بالنيابة والعمل في الحقل العام. بدأ مشواره في أوائل الستينيات منخرطاً في الماكينة الانتخابية للنائب الراحل سعيد فواز، ابن بلدته تبنين، وكان حلمه أن يتبوأ مقعده النيابي يوماً ما.

وبعد أن تمرس في العمل الانتخابي، حاول التقرب من رئيس مجلس النواب الأسبق كامل الأسعد، لعلّه يضمه إلى لائحته. وقد لاقى طلبه قبولاً في البداية، قبل أن يبدل كامل بك رأيه ويستبعده من اللائحة. شكل ذلك صدمة كبيرة في حياته، إذ شعر أنّ جميع أبواب النيابة قد أغلقت في وجهه، بعدما كان الوصول إلى البرلمان في الجنوب يكاد يكون محصوراً بعباءة الأسعد.

ومع بزوغ نجم الإمام موسى الصدر، انضم بري إلى الحركة، وتقرب من السيد موسى الذي عينه منسقاً بين الجناح العسكري وباقي الأحزاب، قبل أن يتولى المجلس السياسي للحركة. وبعد تغييب الإمام الصدر، تولى حسين الحسيني قيادة الحركة، لكن الأستاذ كما يطيب للجنوبيين مناداته تحالف مع الجناح العسكري للحركة لإزاحته وتنصيب نفسه مكانه، وهو الموقع الذي بقي يشغله حتى اليوم.

ومنذ ذلك الحين، نسج شبكة واسعة من العلاقات مع السوريين حتى أصبح حليفهم الأول في لبنان. وخاض جميع المعارك التي طلبت منه، من انتفاضة ٦ شباط، إلى المواجهات مع المرابطون والحزب التقدمي الاشتراكي و حرب المخيمات وصولاً إلى الحرب الطاحنة مع حزب الله في أواخر الثمانينيات.

وأصبح الممثل الأول لدمشق في الساحة اللبنانية، فدفعته إلى الوزارة، ثم أعاد الكرة مع حسين الحسيني و لكن هذه المرة بالتواطؤ مع السوريين فأزاحه عن رئاسة مجلس النواب ليتولاها هو، ويستمر فيها حتى اليوم.

لم يكن صاحب مشروع سياسي استثنائي، ولم يعرف عنه تقديم حلول أو مبادرات غير مألوفة. كان ينفذ السياسات السورية بحذافيرها. حتى إنّه عندما حاول فتح قناة تواصل مع لقاء قرنة شهوان، منعه رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان، اللواء غازي كنعان، من المضي في ذلك، فلم يجد حرجاً في أن يعلن أمام الصحافة أنّه «صائم عن الكلام».

 

ومع انتهاء الوصاية السورية، لم يغير نهجه، بل سلم رايته إلى السيد حسن، مدركاً أنّ التحالف الجديد هو الطريق الوحيد للمحافظة على موقعه. فهدفه الأول كان دائماً البقاء في السلطة، أما هدفه الثاني فكان الجنوب.

لم يكن يعنيه المبدأ السياسي، ولا مكافحة الفساد، ولا الشعارات التي ترفع في المواسم. كان سياسياً إقطاعياً بثوب ثائر ، يقدّم النفوذ على المبادئ، ويشبه في هذا الجانب صديقه  اللدود وليد جنبلاط. كانت السياسة بالنسبة إليه وسيلة لحماية موقعه وبناء إرث شخصي يحمل اسمه في الجنوب، فاحتل قلوب الجنوبيين قبل عقولهم و صنع للشيعة اللبنانيين ما لم يفعله احد قبله فحولهم من طائفة مهمشة إلى طائفة الأولى في لبنان أدخلهم إلى إدارات الدولة و فرض نفوذه في جميع مفاصلها ،أعادهم من أفريقيا مع أموالهم للاستثمار في وطن «اصبحنا نحن الشيعة سادته» على حد قوله اصبح الزعيم السياسي الاول في لبنان و صانع نجاح العهود و فشلها و أضحى الزعيم السياسي الذي ترغب جميع الطوائف بمثيل له.

اما اليوم فهو حزين، يرى كل ما اعتبره إرثه في الجنوب  وما ناضل من اجله يتهاوى تحت ضربات جيش نتنياهو، ويرى أبناء منطقته يتركون قراهم و يشاهد كل ما بناه يدمر إلى آخر حجر على ارض الجنوب، بينما يقترب هو من نهاية مسيرته السياسية وقد شهد على عزلة غير مسبوقة لطائفته وتراجع نفوذها بعد أن كان شهد وصولها إلى القمة .

ولعل المفارقة الأكبر  فهي في السياسة فلم يعد المحرك والبوصلة فهو يشاهد اليوم تنفيذ ما كان يرفضه بالأمس على ارض الجنوب. فبعدما رفض هو ونعيم قاسم اتفاق الإطار، هو يفرض أمام أعينهم من دون أن يملكوا القدرة على منعه أو حتى التأثير في مساره.

فلم يعد لا العمر و لا القدرة و لا الوقت يسمح للقيام بما قام به في ثمانينات القرن الماضي لافشال المشروع الاسرائيلي.

وكأنّ الرجل الذي قضى عمره كله يقاتل من أجل البقاء في الموقع، يكتشف في نهاية الطريق أنّ الموقع لا يصنع التاريخ وحده. فحين ينهار المشروع الذي حمى وجوده لعقود، يصبح المنصب مجرد كرسي، ويصبح صاحبه شاهداً على أفول مرحلة أكثر منه صانعاً لها. فما بقي له اليوم هو الوقوف على الرصيف، يشاهد القافلة تمضي من دونه.