بلد الأمنيات.. والتفاهات
بلد الأمنيات.. والتفاهات
المشكلة أنّ اللبنانيين يستبدلون التفكير بالحلم. تكثر الأحلام وينزوي العقل. بعضنا يريد أشجاراً مثمرة بلا كلفة، وقطارات بلا أراضٍ، وسلاماً بلا موازين قوى، وتحريراً بلا ثمن، ودولة قوية بلا دولة.
من أكثر ما يلفت في النقاش اللبناني أنّ بعض الأفكار، لمجرد أنّها تبدو جميلة أو إنسانية أو وطنية، تتحول إلى ما يشبه الحقائق المقدسة. لا أحد يسأل: هل يمكن تنفيذها؟ كم تكلف؟ هل تعالج المشكلة فعلاً؟ وما الذي سيحدث بعد سنة أو عشر سنوات؟
المهم أنّ الفكرة «حلوة». وهكذا تنتشر بعض التفاهات حتى تصبح معمّمة، ويصبح الاعتراض عليها دليلاً على أنّك لا تحب الخير للبنان.
من هذه الأفكار مثلًا: «فلنشجّر الطرق بأشجار مثمرة، فيأكل منها الفقراء». تبدو الفكرة رائعة في منشور على فيسبوك: شجرة، ثمرة، فقير، وطريق أخضر. لكن الأشجار لا تعيش بالشعارات.
الشجرة المثمرة تحتاج إلى ريّ، وتقليم، ونكش، وتسميد، ورشّ، وحماية، ومتابعة، وإلا تحولت إلى شجرة مريضة لا تنتج شيئاً. ومن سيدفع؟ ومن سيعمل؟ ومن سيحمي الثمار؟ وهل المقصود أن يتحول لبنان إلى بستان عام يذهب إليه الفقراء لجمع الطعام؟ المشكلة ليست في التشجير، بل في اختصار قضية زراعية واقتصادية واجتماعية كاملة بجملة عاطفية.
وهناك أسطورة السكك الحديدية. كلما تحدث أحد عن أزمة السير، يظهر حنين جماعي إلى قطار لبنان القديم: «لو أعادوا السكك الحديدية لكنا مثل أوروبا“». لكن لبنان اليوم ليس لبنان القرن التاسع عشر. مدنه الساحلية تمددت، والطرق امتلأت بالمباني، والأراضي ارتفعت أسعارها، والمحطات تحتاج إلى مساحات، والقطار يحتاج إلى مسار متصل لا إلى صورة جميلة لقطار قديم. نحن اليوم بالكاد نجد مكاناً لركن سيارة، فكيف سنجد ممراً لخط سكة ومحطات وبنية تحتية كاملة؟ هذا لا يعني أنّ النقل العام والقطارات فكرة سيئة، بل يعني أنّ النوستالجيا لا تفيد، عملياً، بشيء.
ومن التفاهات الأكثر رسوخاً القول إنّ «لبنان سينعم بالسلام والهناء». متى فعل أصلاً؟ وعلى أي أساس سيفعل؟ لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطها حتى نقول إنّ السلام خيار يمكن أن يتحقق. حوله دول أكبر وأقوى، وفي داخله جماعات سياسية وطائفية تحمل تصورات مختلفة جداً عن معنى الدولة وموقعها وعلاقاتها الخارجية. لبنان ليس مجرد مجموعة أفراد يحملون هوية واحدة متطابقة؛ إنّه بلد تتزاحم فيه هويات وانتماءات وذاكرات سياسية متناقضة.
لذلك، فإنّ السلام ليس أمنية نكتبها على جدار، بل نتيجة لموازين قوى ومؤسسات ودولة قوية وسياسة خارجية واقعية. يمكن للبنان أن يسعى إلى الاستقرار، وأن يقلل المخاطر، وأن يبني دولة قادرة على حماية مصالحه. أما الاعتقاد بأنّه سيُمنح يوماً «السلام والهناء» فليس سياسة، بل أمنية.
ثم تأتي التفاهة الأكثر كلفة: «المقاومة ستحرر الأرض».
هذه الجملة عاشت طويلاً لأنّها تستند إلى رغبة حقيقية في تحرير الأرض. لكن الرغبة لا تغيّر موازين القوى. إسرائيل دولة قوية عسكرياً واقتصادياً ومؤسساتياً، ومجتمعها قادر على تحمل أعباء الحرب، وجيشها متطور، وعلاقاتها الدولية واسعة. والاعتقاد بأنّ مجموعة مسلحة تعيش في الأنفاق والبراري تستطيع، بمجرد امتلاكها الإرادة والسلاح، أن تفرض على إسرائيل تحرير الأرض التي لا تريد التخلي عنها، هو تجاهل للواقع أكثر منه تحليلًا سياسياً.
والأهم أنّ التجربة اللبنانية نفسها لا تسمح لنا بتقديم «المقاومة» كحل سحري. فحين يتحول السلاح إلى مشروع سياسي دائم خارج الدولة، يصبح البلد كله جزءًا من معادلة الحرب. والنتيجة التي عرفها اللبنانيون مراراُ لم تكن دولة أقوى وأكثر ازدهاراً، بل دماراً ونزوحاً وانهياراً اقتصادياً واجتماعياً.
المشكلة ليست أنّ اللبنانيين يحلمون. المشكلة أنّهم أحياناً يستبدلون التفكير بالحلم.
تكثر الأحلام وينزوي العقل. بعضنا يريد أشجاراً مثمرة بلا كلفة، وقطارات بلا أراضٍ، وسلاماً بلا موازين قوى، وتحريراً بلا ثمن، ودولة قوية بلا دولة.
وهكذا يصبح كل شيء سهلاً في الكلام، ومستحيلاً في الواقع.
ربما حان الوقت لأنّ نتوقف قليلًا عن سؤال: «أليست هذه فكرة جميلة؟»، ونبدأ بالسؤال الأصعب: «هل هذه الفكرة قابلة للتنفيذ؟»
فكثير من الأفكار التي تبدو جميلة من بعيد، لا تحتاج إلى التصفيق حين نقترب منها، بل إلى قليل من العقل لنقضها.

