سوريا تستثمر في المستقبل.. ولبنان خارج السِباق

سوريا تستثمر في المستقبل.. ولبنان خارج السِباق

  • ٢٦ آب ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

ثمة مشهد في المنطقة يستحق أن يتوقف عنده اللبنانيون طويلاً.

ads

سوريا، الدولة التي خرجت من 14 عاماً من الحرب والدمار، تفتح أبوابها للاستثمارات وتوقّع اتفاقات بمليارات الدولارات، وتستعيد علاقاتها الاقتصادية مع الخليج وتركيا والولايات المتحدة. فيما لبنان، الذي لطالما قدّم نفسه باعتباره البلد الأكثر انفتاحاً وحيوية في المشرق، لا يزال يحاول إقناع العالم بأنّه أصبح أكثر استقراراً.

المفارقة أنّ دمشق لم تعد تكتفي بالقول إنّها تريد إعادة الإعمار، بل بدأت تبيع للمستثمرين فكرة «سوريا الجديدة»

ولعل الواقع يظهر من خلال الأرقام. في آب 2025، أعلنت سوريا توقيع مذكرات استثمارية بنحو14  مليار دولار لمشاريع استراتيجية، بينها 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي، ومليارا دولار لمشروع مترو دمشق، ومليارا دولار لمشروع أبراج دمشق.

وفي شباط 2026، وقّعت دمشق مع الرياض اتفاقات جديدة بنحو5.3  مليارات دولار مرتبطة بالطيران والاتصالات والمياه والبنية التحتية والعقارات، بينها مليارا دولار لتطوير مطاري حلب، ونحو مليار دولار لمشروع بنية تحتية للاتصالات والألياف الضوئية.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت التجارة غير النفطية بين الإمارات وسوريا إلى 1.4مليار دولار في 2025، بزيادة 132% خلال عام واحد، فيما تدرس شركات إماراتية مشاريع قد تصل قيمتها إلى 19 مليار دولار في قطاعات مختلفة.

أما تركيا، فتتحدث عن التعاون مع دمشق في استكشاف النفط والغاز، فيما تستعيد سوريا تدريجياً موقعها المحتمل كممر للطاقة والتجارة بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط.

ثم جاءت الخطوة الأميركية الأهم في 24 آب الحالي، حين أزالت واشنطن سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في قرار يفتح الباب أمام مزيد من المعاملات والاستثمارات والتعاملات المالية الدولية.

هنا تصبح المقارنة مع لبنان أكثر إيلاماً. فسوريا التي كانت حتى وقت قريب دولة معزولة دولياً، مدرجة على قوائم الإرهاب، ومحاصرة بالعقوبات، أصبحت تستقبل وفود المستثمرين وتوقّع اتفاقات مع السعودية والإمارات وتركيا، وتطرق أبواب الولايات المتحدة. بينما لبنان، في المقابل، ما زال يطرق أبواب العالم طالباً استعادة الثقة.

ليس صحيحاً أنّ لبنان يفتقر إلى المشاريع أو الكفاءات أو الموقع الجغرافي أو رأس المال البشري، لكنه خارج سِباق إغراء المستثمرين الدوليين. وليس صحيحاً أيضاً أنّ سوريا أصبحت فجأة نموذجاً اقتصادياً ناجحاً. لكن المستثمر لا يحتاج إلى دولة مثالية كي يأتي إليها.يحتاج إلى دولة تعرف من يملك قرار الحرب والسلم فيها، ومن يحمي الاستثمار، ومن يضمن القانون، ومن يقرر الأمن، ومن يملك الكلمة الأخيرة داخل أراضيها.

وهنا، تحديداً، لا يزال لبنان يعاني من المشكلة التي يحاول كثيرون الالتفاف حولها.وجود سلاح خارج سلطة الدولة ليس مجرد مسألة سياسية أو دستورية. إنّه أيضاً مسألة اقتصادية.

فالمستثمر الأجنبي لا يقرأ البيانات السياسية اللبنانية بالطريقة التي يقرأها اللبناني. لا يعنيه كثيراً أن يسمع أنّ «الوضع تحت السيطرة»، أو أنّ هناك «تفاهمات»، أو أنّ «الأمور ستتحسن». هو يريد أن يعرف شيئاً أكثر بساطة: هل توجد دولة واحدة تملك قرار الأمن؟

عندما تكون الإجابة غير محسومة، يصبح الاستثمار أكثر كلفة ومخاطرة.وهذا ليس افتراضاً نظرياً. فوكالة S&P أشارت في تقييمها الأخير للبنان إلى أنّ المخاطر الأمنية وعدم الاستقرار يضغطان على الاقتصاد، ويضعفان الاستثمار وثقة المستثمرين، فيما توقعت انكماش الاقتصاد اللبناني.

صحيح أنّ الحكومة اللبنانية بدأت مؤخراً محاولة فتح الباب أمام القطاع الخاص في تشغيل وإدارة مطاراته، من خلال شراكة مع مؤسسة التمويل الدولية، كما السعي إلى تحسين الظروف الاستثمارية. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هو: هل يمكن جذب استثمارات كبيرة إلى بلد لم يحسم بعد مسألة السيادة الأمنية؟

يمكنك أن توقع عشرات القوانين، وأن تعيّن أفضل الوزراء، وأن تعقد مؤتمرات استثمارية في أفخم الفنادق، وأن تكتب في كل خطة حكومية عبارة «تحسين بيئة الأعمال». لكن المستثمر، في النهاية، لا يكترث كثيراً لهذه الأمور، بل جلّ ما يريده هو أن يضمن أنّ مشروعه سيبقى آمناً إذا تغيّر المشهد السياسي غداً.

وهذا هو الفارق الجوهري بين سوريا ولبنان اليوم.

سوريا، رغم كل مشاكلها، تحاول أن تستفيد من لحظة الانفتاح الدولي لتقول للعالم: لدينا بلد يجب أن يُعاد بناؤه، ولدينا سوق وموقع جغرافي وفرص استثمار.

لبنان لديه تقريباً كل هذه العناصر أيضاً.لكن لديه مشكلة بنيوية. لديه سلاح «حزب الله».

 

ads
ads