عرس على حساب مين؟

عرس على حساب مين؟

  • ١٥ أيلول ٢٠٢٦
  • مكرم رباح

في دعوة زفاف نجل القيادي في حركة   " المحرومين" علي حسن خليل، قد تستوقف المدعوين الزخارف الذهبية وقصر سرسق.

 لكن التفصيل الأجدر بالتوقف يقع أسفل البطاقة: حساب بالدولار لدى بنك عوده، باسم العروسين، لتلقّي الهدايا. ليس السؤال عن حقّهما في الاحتفال، بل عن الإجراءات التي سمحت بقبول هذه العلاقة المصرفية، والمستوى الإداري الذي أجازها.

فوالد العريس فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات في أيلول 2020، معلّلة قرارها بتقديمه دعماً لحزب الله والانخراط في ممارسات فساد. وهذه ليست معلومة اجتماعية عابرة، بل واقعة ينبغي أن تكون حاضرة عند تقييم المخاطر المصرفية.

صحيح أن عقوبات الأب لا تنتقل تلقائياً إلى أبنائه، لكن عدم إدراج الابن لا يحسم مسألة وجود أموال أو مصالح للشخص المعاقَب في الحساب. الفارق جوهري بين حساب مستقل للعروسين ومعاملات تُجرى لمصلحة طرف خاضع للعقوبات. والبطاقة، وحدها، لا تكشف حقيقة العلاقة المالية.

إنشاء علاقة مصرفية من هذا النوع، وفق الأصول، يستوجب موافقة الإدارة العليا، وليس مجرد إنجاز معاملة عند شباك الفرع. فالتعميم الأساسي رقم 83 يشمل الأشخاص المعرّضين سياسياً وأفراد عائلاتهم والمقرّبين منهم بإجراءات معزّزة، تتضمن تلك الموافقة، والتدقيق في مصادر الثروة، والمراقبة المستمرة. لذلك، لا يتوقف السؤال على رواية اتصال هاتفي: المطلوب معرفة مَن وافق، وعلى أيّ تقييم استند.

وفي الممارسة، تلجأ مؤسسات مصرفية إلى إغلاق حسابات أو تقييد علاقات تجنّباً للمخاطر. وتشمل متطلبات التدقيق أقارب السياسيين، لا السياسيين وحدهم. وفي لبنان تحديداً، يعرف أصحاب النفوذ جيداً أن صفة «المعرّض سياسياً» لا تقف عند صاحب المنصب، بل تمتد عملياً إلى أفراد عائلته والمقرّبين منه عندما يصبح احتمال استخدام الحسابات أو العلاقات المصرفية بالواسطة قائماً.

لكن المسألة هنا ليست الدعوة إلى معاقبة العروسين بالقرابة، بل إلى السؤال عن اتساق تطبيق الضوابط: هل تُطبّق المعايير ذاتها على الجميع، أم تصبح أكثر مرونة عندما تدخل السياسة والنفوذ من الباب؟

ولا تنتهي المعطيات المطروحة عند عائلة العريس. فالمعلومات المقدّمة لإعداد هذه المادة تتضمن ادعاءات عن ارتباط والد العروس «ع. ق.» بقضايا احتيال في نيجيريا، وعن قضاء فترة طويلة في السجن، إضافة إلى إدراجه على ما يوصف بـ«لائحة سوداء».

بمعنى آخر، نحن أمام حساب مصرفي يرتبط من جهة بعائلة شخصية سياسية خاضعة لعقوبات أميركية، ومن جهة ثانية بعائلة تدور حولها ادعاءات مالية وقضائية خطرة. وهذا بحد ذاته كافٍ لطرح سؤال واضح: أي مستوى من العناية الواجبة طُبّق قبل فتح الحساب، ومن تحمّل مسؤولية الموافقة عليه؟

وتتجه المساءلة بطبيعة الحال إلى الإدارة العليا، ومنها «ح. ص.»، أحد المسؤولين التنفيذيين الكبار في المصرف. فالحساب من هذا النوع لا يُفتح بقرار موظف عادي، بل يحتاج إلى المرور بمستويات أعلى من الامتثال والإدارة. وإذا كانت هناك علاقة مهنية أو سياسية سابقة بين مسؤولين في المصرف ووالد العريس، فإن هذا لا يشكل دليلاً بحد ذاته على مخالفة، لكنه يجعل مسألة تضارب المصالح والشفافية أكثر إلحاحاً.

واللافت أن القضية لم تتوقف عند الحساب. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن المكان الذي كان مقرراً أن يستضيف الحفل عاد وألغى استضافة الزفاف. لكن حتى لو تأكد الإلغاء، فهذا لا ينهي القصة، بل يعيدها إلى أصلها.

فالعرس يمكن إلغاؤه. والمكان يمكن تغييره. والحساب يمكن إقفاله. ويمكن أيضاً تغيير طريقة تلقي الهدايا. لكن السؤال الذي لا يمكن إلغاؤه هو: كيف فُتح الحساب أصلاً، ومن وافق عليه، وما هي إجراءات الامتثال التي اتُّبعت؟

وهنا تصبح الحملة التي خرجت للدفاع عن والد العريس، تحت عنوان أن الأمر «شأن عائلي خاص»، جزءاً من المشكلة لا جواباً عنها. هناك خلل أخلاقي عميق في مفهوم المسؤولية العامة عندما تتحول «الخصوصية» إلى ستار يُرفع كلما اقترب السؤال من أصحاب السلطة والنفوذ.

نعم، للعروسين حياتهما الخاصة، ولا يجوز تحميلهما مسؤولية أفعال آبائهما. لكن والد العريس ليس مواطناً عادياً اقتحمت الصحافة مناسبة عائلية تخصه. نحن نتحدث عن شخصية سياسية عامة، خاضعة لعقوبات أميركية مرتبطة باتهامات بالفساد ودعم حزب الله، كما أن اسمها كان في صلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان، أي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، حيث واجه إجراءات واستدعاءات قضائية مرتبطة بالملف.

هذا وحده يجعل أي سؤال عن تداخل النفوذ السياسي مع المؤسسات المصرفية سؤالاً مشروعاً ومتعلقاً بالمصلحة العامة.

ولا يمكن لمن هو في موقع عام، وخصوصاً عندما يكون محاطاً بملفات بهذا الحجم، أن يطالب بالخصوصية عندما تصل الأسئلة إلى مساحات تتقاطع مباشرة مع السلطة والمال والنفوذ. الخصوصية تحمي الحياة الشخصية، لكنها لا تلغي حق المجتمع في التدقيق عندما يكون الأمر متعلقاً باحتمال استغلال موقع سياسي أو علاقة نافذة.

وهذا هو الخط الفاصل الذي يحاول المدافعون طمسه. لا أحد يقول إن الزواج شأن عام. لكن عندما يظهر في دعوة الزفاف حساب مصرفي لعائلة شخصية سياسية خاضعة للعقوبات، يصبح السؤال عن تطبيق قواعد الامتثال شأناً عاماً بامتياز.

بل إن الدفاع عن هذه المسائل بذريعة «اتركوا الناس تفرح» يكشف مشكلة أعمق: الرغبة في تحويل النفوذ العام إلى حصانة خاصة. وهذا بالضبط ما دمّر ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.

المشكلة اللبنانية لطالما كانت هنا: القانون موجود، والتعاميم موجودة، والهيئات الرقابية موجودة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يصل القانون إلى باب صاحب النفوذ. هل يدخل، أم يتوقف احتراماً للألقاب والعلاقات؟

إلغاء الحفل في المكان المقرر لا يجيب عن ذلك. وحتى إقفال الحساب، إن حصل، لن يجيب عنه.

السؤال الحقيقي ليس أين سيقام الزفاف، بل كيف تعمل الجمهورية: هل تُطبّق القواعد على الجميع، أم أن هناك دائماً طابقاً أعلى يستطيع أن يفتح الأبواب التي تُغلق في وجه الآخرين؟