كيف نفهم إسرائيل من مسلسل «فوضى – Fauda»؟

كيف نفهم إسرائيل من مسلسل «فوضى – Fauda»؟

  • ١٥ أيلول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

في الموسم الخامس، تغيرت نقطة الانطلاق الأخلاقية. لم يعد الصراع يبدأ من الاحتلال أو من حياة الفلسطينيين تحت الصراع، بل يبدأ من ٧ أكتوبر.

 

ليست كل المسلسلات مجرد أعمال للترفيه. بعضها يتحول إلى نافذة لفهم المجتمع الذي أنتجه، و «فوضى» (Fauda) هو واحد من هذه الأعمال. فمنذ موسمه الأول، لم يكن المسلسل مجرد قصة عن وحدة إسرائيلية تعمل خلف خطوط العدو، بل كان محاولة لفهم إسرائيل من داخل هواجسها الأمنية، وخوفها من الإرهاب، وعلاقتها بالفلسطينيين وبمحيطها العربي.

لكن الموسم الخامس الذي صدر على «نيتفليكس» منذ أيام، مختلف. فإسرائيل التي نراها فيه ليست إسرائيل التي عرفناها قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣. الإسرائيلي بعد ٧ أكتوبر ليس كما قبله، وهذه الجملة ربما تكون المفتاح الأساسي لفهم الموسم كله.

منذ البداية، يضع المسلسل المشاهد أمام فكرة الثأر. «إيلي»، الذي فقد زوجته وطفليه في هجوم ٧ أكتوبر، يذهب إلى أوروبا بحثاً عن أحد المشاركين في الهجوم. ومن هنا تبدأ مطاردة جديدة يدخل فيها «دورون» (بطل المسلسل)، وتنتقل الأحداث من إسرائيل إلى فرنسا، قبل أن تعود إلى الصراع الأساسي.

في المواسم السابقة، كانت قوة «فوضى» تكمن في شيء من التوازن الدرامي: الإسرائيلي والفلسطيني كانا يظهران كطرفين يحمل كل منهما دوافعه وخوفه وألمه. أما في الموسم الخامس، فقد تغيرت نقطة الانطلاق الأخلاقية. لم يعد الصراع يبدأ من الاحتلال أو من العمليات العسكرية أو من حياة الفلسطينيين تحت الصراع، بل يبدأ من ٧  أكتوبر.وهكذا يصبح الإسرائيلي أولاً ضحية، ثم مطارداً، ثم منتقماً.

هذا لا يعني أنّ المسلسل تخلى عن كل التعقيد الذي ميّز مواسمه السابقة، لكنه أصبح أكثر تعاطفاً مع التجربة الإسرائيلية. الفلسطيني المسلح يظهر بصورة أكبر من خلال الإرهاب، بينما تُقدَّم الشخصيات الإسرائيلية وهي تحمل صدمة الهجوم وتبحث عن العدالة.

وهنا، تحديداً، تكمن أهمية الحلقتين السابعة والثامنة.فالمسلسل يعود فيهما إلى أحداث ٧ أكتوبر ويعيد بناء الهجوم من منظور شخصياته الإسرائيلية. الصواريخ، اقتحام الحدود، قتل المدنيين، مهرجان نوفا، والصدمة التي عاشها المجتمع الإسرائيلي، كلها تتحول إلى جزء مركزي من الرواية. لم يكن ٧ أكتوبر حدثاً في خلفية القصة، بل أصبح الحدث الذي يفسر كل ما يأتي بعده.

وهذه رسالة موجهة بصورة واضحة إلى المشاهد الغربي كأنّها تقول له: «قبل أن تحكم على إسرائيل وحربها في غزة، تذكر ما حدث في ٧ أكتوبر».

لذلك، لم يكن انتقال الأحداث إلى أوروبا، وخصوصاً فرنسا، تفصيلاً درامياً في المسلسل. فالموسم الخامس يتوجه بصورة أكبر إلى الجمهور الأوروبي والغربي. أوروبا تظهر بوصفها مكاناً يمكن أن تنتقل إليه الصراعات، وأن يتحول فيه التعاطف مع القضية الفلسطينية إلى مدخل للتجنيد أو التطرف. وبذلك يوجّه المسلسل نقداً واضحاً لما يعتبره الحياد الأوروبي أو التعاطف الغربي غير المشروط مع الفلسطينيين.

الرسالة هنا بسيطة ومباشرة: الإرهاب لا يبقى في الشرق الأوسط، ومن يظن أنّ بإمكان أوروبا أن تبقى بعيدة عن الصراع قد يكتشف أنّ الصراع قادر على الوصول إليها.

إنّ الصدمة التي تعرضت لها إسرائيل لم تكن مجرد خسارة عسكرية أو أمنية. كانت ضربة لصورة الدولة التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على قدرتها على حماية مواطنيها. فجأة أصبحت الحدود قابلة للاختراق، والاستخبارات قابلة للفشل، والجيش غير قادر على منع مسلحين من الوصول إلى المدنيين.ومنذ ذلك اليوم، دخلت إسرائيل في مرحلة مختلفة، مرحلة استعادة الردع بالقوة.

وهذا ما نراه في الواقع الإقليمي كما نراه في «فوضى»، فقد أصبحت ملاحقة القيادات جزءاً أساسياً من الحرب الإسرائيلية. قيادات في «حماس»، وقيادات في «حزب الله»، وشخصيات إيرانية مرتبطة بالمنظومة العسكرية والأمنية. من غزة إلى بيروت ودمشق وطهران، أرادت إسرائيل أن تثبت أنّ من يستطيع الوصول إلى أراضيها يمكن لإسرائيل أن تصل إليه في غرفة نومه أو في نفقه.

ولهذا تحمل نهاية الموسم دلالة رمزية كبيرة.يصل «دورون» إلى القيادي الذي يقف وراء المخطط الإرهابي الجديد، سعيد، والذي حاول تفجير المقابر الإسرائيلية وقتل الناس، وينتهي الأمر بقتله وهو أعزل ومصاب وضعيف. من الناحية الدرامية، تنتهي المطاردة. لكن من الناحية الرمزية، يبدو الأمر أقرب إلى تنفيذ الثأر.

وهنا يلتقي المسلسل بالواقع.فكما يطارد «دورون» القيادي المسؤول عن الجريمة، تطارد إسرائيل في الواقع القيادات التي تعتبرها مسؤولة عن تهديدها، وتستهدفها حتى خارج ساحات القتال التقليدية. الأمر واضح، لن يكون هناك مكان آمن لمن يهدد إسرائيل.

وهذا ما يجعل نهاية الموسم مهمة. فهي لا تنهي فقط قصة شخصية، إنّها تعكس تصوراً إسرائيلياً أوسع بعد ٧ أكتوبر، إذ لا يكفي أن تمنع الهجوم المقبل، بل يجب أن تصل إلى الذين صنعوا الهجوم السابق.

يبدأ المسلسل بالثأر وينتهي بالثأر.وبينهما نرى غزة، وإسرائيل، ولبنان، وإيران، وأوروبا، و٧ أكتوبر، والاغتيالات، والخوف، والرغبة في استعادة الكرامة والردع.

ومن هنا يمكن فهم إسرائيل اليوم.إسرائيل هي دولة خرجت من ٧ أكتوبر وهي أكثر غضباً وأكثر اقتناعاً بأنّ أمنها لا يمكن أن يقوم على الاحتواء وحده. وهي في الوقت نفسه دولة تريد أن تثبت لنفسها قبل خصومها أنّها استعادت القدرة على الوصول إلى أعدائها أيّنما كانوا.

لذلك، لا ينتهي «فوضى» بانتصار بقدر ما ينتهي بتأكيد أنّ إسرائيل لن تنسى ٧ أكتوبر، ولن تكتفي بمنع تكراره، بل ستلاحق من صنعه ومن يمكن أن يصنعه، في غزة ولبنان ودمشق وإيران وأبعد من ذلك. في المسلسل كما في الواقع، الكلمة الأخيرة ليست للهدوء ولا للمصالحة، بل للكثير من الثأر والكثير من الفوضى.