الميكروفون الإنتقائي على منصة مجلس النواب
الميكروفون الإنتقائي على منصة مجلس النواب
على مدى جلستين متتاليتين لمساءلة حكومة الرئيس نواف سلام. أُديرت المداخلات وفق من يُسمح له بإكمال كلامه، ومن يُقاطَع، ومتى ينقطع الصوت فعلياً عبر الميكروفون.
ميشال معوّض فتح ملف سلاح حزب الله في جلسة مساءلة الحكومة، متّهماً إياه بجرّ لبنان إلى حربين خدمةً للمشروع الإيراني. لم يُكمل جملته حتى قاطعه إيهاب حمادة، واستمر الأخير في الكلام بصوت مرتفع، فيما قُطع صوت معوّض عبر الميكروفون. تدخّل النائبان وضاح الصادق وزياد حواط دفاعاً عن معوّض، معتبرَين أنّ المقاطعة غير جائزة وفق الأصول، وطالبا بأخذ دورهما في الكلام.
نقطة الخلل ليست في حق حمادة بالمقاطعة والرد، هذا مكفول بالنظام الداخلي إذا استُهدف الشخص بالاسم أو بالتلميح وأيضاً حق إجرائي لا خلاف عليه. المشكلة أنّ حمادة تابع الكلام دون انقطاع صوت، بينما انقطع صوت معوّض وهو يمارس حقه الأساسي في إكمال مداخلته.
وهذا الانحياز في التعامل مع الميكروفون لا يمكن تبريره كخلل تقني عابر، بل يرقى إلى إخلال مباشر برئاسة نبيه بري لمهمتها الدستورية في ضبط حيادية الجلسة. فحين يتحول الميكروفون إلى أداة تُشغَّل وتُقفَل بحسب هوية المتكلم لا بحسب مخالفته للنظام الداخلي، تتحول الرئاسة من حَكَم فوق الأطراف إلى طرف فعلي في الاصطفاف السياسي داخل القاعة. فكأنّ رئيس المجلس يدير القاعة كملكية خاصة لا كمؤسسة دستورية يتساوى فيها جميع اللبنانيين.
أيضاً مع أنطوان حبشي، تكرّر النمط: حين فتح ملف تلة علي الطاهر، قاطعه إبراهيم الموسوي بحدّة، وتوقفت مداخلة حبشي، فيما استمر كلام الموسوي دون عائق.
أما الذروة فكانت مع أشرف ريفي. فبعدما حمّل حزب الله مسؤولية تدخّله العسكري في سوريا، أُقفلت الميكروفونات مجدداً، وانقطع صوته في أجزاء أساسية من مداخلته، فيما استمر صوت المتحدثين من الطرف الآخر. وفي بيان لاحق على منصة «إكس»، أوضح ريفي أنّ جوهر ما قاله، ولم يصل كاملاً إلى الرأي العام، هو أنّ دخول حزب الله إلى سوريا لم يكن قراراً لبنانياً بل قتالاً إلى جانب نظام الأسد، وأنّ من حق اللبنانيين مساءلة من اتخذ قرار الحرب لا تحميل الدولة نتائج خيارات لم تتخذها مؤسساتها.
المسألة ليست في وجود الخلاف السياسي فهذا متوقع في مجلس نيابي يناقش ملفاً بتعقيدات السلاح. المشكلة أنّ النمط يتكرر بشكل شبه متطابق في كل مرة، حيث يتحوّل الميكروفون نفسه إلى أداة ترجيح لصالح جهة واحدة.
سياسياً، هذا التكرار المنهجي يفضح أنّ النقاش داخل القاعة يُدار بموازين السلاح خارج المجلس، حين تتحول قوة الأمر الواقع إلى قوة أمر واقع داخل قبة البرلمان نفسها.
وقانونياً، هذا خرق لمبدأ المساواة بين النواب، ويحوّل رئاسة المجلس من ضامن لحياد الجلسة إلى شريك في تعطيل حقّ نائب في الكلام ما يجعل شرعية جلسة المساءلة منقوصة.

