الهويّة الجنسيّة وخطورة التحرّش في تكوينها

الهويّة الجنسيّة وخطورة التحرّش في تكوينها

  • ١١ أيار ٢٠٢٤
  • كاسندرا حمادة

تطرح قضية «مغتصبي التيك توك» تساؤلات جديّة حول تأثير التحرش على تكوين الهوية الجنسية.

ads

يختلف مفهوم الهوية الجنسية كمصطلح عام، عن معناه السيكولوجي المتطوّر في دراسات علم النفس. لا يكفي أن يتعرّف الطفل إلى هويته الجنسية ذكر أو أنثى، لأنّ تكوينها يتطوّر في سنوات طفولته الأولى، إذ تبدأ بالتشكّل في سنٍّ حرج، أي من عمر السنة والنصف حتى الثالثة. تتأثّر هذه المرحلة بعوامل عديدة، منها التربية الأسرية، البيئة الإجتماعية، أو حتى وسائل الإعلام. بالتالي، ترتبط الهوية الجنسية (الجندر) بإحساس الفرد بنفسه وإحساسه بأنّه ذكر أو أنثى، بحسب البيئة التي يعايشها، وإن فهم تكوين الهوية الجنسية لدى الطفل يسهم في فهم كيفية تطوّر الطفل لنفسه والعالم من حوله.

وبعد قضية عصابة «تيك توك» التي هزّت الرأي العام، تعود إلى الواجهة ظاهرة التحرّش، وهي من أبرز التحدّيات التي يعاني منها الأطفال والقصّر. ما يطرح سؤالاً عن خطورة هذه الظاهرة على تكوين الهوية الجنسية.

وفي مراجعة سريعة  للتاريخ البشري، نجد أنّ «الهوية الجنسية»، بل الجنسانية بمركباتها الشمولية، كانت دائماً موضعاً للتجاذب الفكري والقيمي، بين تيارات فكرية وعقائدية متعدّدة. قد يبدو للوهلة الاولى أنّ الجدل كان أكثر تأجّجاً في ظل النقص في المعرفة وعدم اليقين وانعدام الحقائق الملموسة مما يفتح المجال للتأويل والإفتراض والإختلاف، ولكن مع تطوّر العلم اليوم لا شيء أهم من إدراك ماهيّة الهوية الجنسية والخطورة التي قد تخلخل هذه الميزانية في الهوية الجنسية منذ السنوات الأولى للإنسان، المتعلّقة بالنمو، حيث يتعرّف الطفل على العالم من حوله بواسطة حواسه الخمس، وكذلك يتعرف على ذاته من خلال تجاربه الحسية، فجسمه هو جزء من البيئة حوله، الذي سيشرحه تباعاً الطبيب والعالم النفس العيادي د. مرام حكيم، في إطار النظرة إلى الجنس الآخر، وكيف تنتج الهرمونات في مرحلة الطفولة. 

نظرة الطفل إلى الجنس الآخر 
بحسب د. مرام، لا يستطيع الطفل التفرقة بين رجل وإمرأة في سنواته الأولى إلّا عبر حاسة النظر، مثال على ذلك: الشعر الطويل عند المرأة، اللحية عند الرجل.
وفي سنوات متقدّمة، تتكوّن لديه نظرية حول جنس الآخر، مع إرتفاع الفضول لدى الطفل أو المراهق، بحسب التربية التي تلقّاها. لكن اليوم، في عالم التكنولوجيا، تنتشر مواقع إباحية كثيرة على الشاشات الصغيرة، فإّذا شاهدها الطفل، تشكّلت لديه صورة خاطئة عن التفاعل الجنسي مع الآخر، وهذا إذا لم يتمّ توضيح الصورة في عقل الطفل. في طبيعة الحال، تقع على الأهل المسوولية، في المرتبة الأولى، مع التحذير من ترهيب الطفل من العالم الخارجي، لتجنّب خلق حالة توتّر لدى الطفل. 

 

التأثير الهرموني والإجتماعي

ويشرح د. مرام أنّ تكوين الهوية تعتمد على عاملين أساسيين عضوي وإجتماعي. أثبتت الدراسات الحديثة أنّه عندما يتكوّن الجنين في الرحم، تؤثّر هرمونات الأم على كيفية  تكوين خلايا الدماغ لدى الرضيع، وبالتالي على الهوية الجنسية. إذ يتسبب التلوّث الخارجي على ميزانية الهرمونات عند الأم عبر الإستروجين الموجود في المواد البلاستيكية. 

أمّا من الناحية الإجتماعية، إذا تعرّض الطفل للتحرّش أو إلى أي إساءة جنسية، تتغيّر نظرته إلى الجنس الآخر، أو بالأحرى تلد عنده بعض الشكوك حيال هويته الشخصية، خاصّة إذا رسم له المعتدي صورة غريبة عن العلاقة الجنسية. فينتج عن هذه الإساءة تشكّل «الصدمة» عند الطفل الذي يكمن علاجه عبر علاج الصدمات أو ما يُعف بالـ "Trauma therapy". 

آثار التحرّش
يمكن للتحرّش الجنسي أن يترك آثارًا نفسية وعاطفية خطيرة على الأطفال، بما في ذلك إنخفاض في التقدير الذاتي، وزيادة في القلق والإكتئاب، والشعور بالعار والذنب، وهنا يتحمّل الأهل مسؤولية المساعدة على العلاج، من خلال تشجيعه، والتحكّم بردّة فعلهم أمام الطفل.

أمّا على الصعيد الصحي، يمكن أن يؤدّي التحرّش إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالاستجابة للضغوط النفسية والتوتر، إضافة إلى تغيرات في هرمونات الجنس، ما ينعكس سلباً على الأداء الجنسي، وفق بعض الدراسات.  

علاج إضطراب الهوية الجنسية
فبعد تعرّض الطفل لإساءة جنسية، من الممكن أن تتشكّل لديه بعض الشكوك حول هويته، نسبة للنظرة التي فرضها المعتدي، فلا بدّ هنا من علاج الخوف والحزن الشديد والشعور بالخزي في اللاوعي عند الفرد. وقد تنعكس المشاعر المكبوتة وتتحوّل إلى أعمال عنيفة مثل التحرّش، والعنف.
وبحسب الدراسات الحديثة، يختلف إضطراب الهوية الجنسية عن مظاهر إنعدام التناغم مع السلوكيات النمطية لجنس الشخص الطبيعي. ولكنه يشتمل على الشعور بالضيق بسبب الرغبة الشديدة والملحة في الإنتماء لجنس آخر غير الجنس المولود به الشخص. قد يعبر بعض المراهقين لذويهم أو طبيبهم عن إحساسهم باضطراب الهوية الجنسية. في حين تظهر على الآخرين أعراض الحالة المزاجية أو القلق أو الاكتئاب. 
بالمحصّلة، فإنّ تجارب المراهقة تؤثّر بطريقة ما على سلوك المراهق والآداء الجنسي، في حال تعرّضه للإساءة، أما تشكيل الهوية الأساسية يمتد منذ الولادة إلى الست أو سبع سنوات.
ولا بدّ من تسليط الضوء على طرق العلاج، خاصّة مع إرتفاع نسبة التحرّش والإغتصاب.  فيجب فحص حالة القصّر بعناية، وأخذ التاريخ المرضي من المراهق وذويه والكشف العيادي الطبي على الجسم بالكامل. والجدير ذكره، أنّه عند معاينة الطبيب النفسي للشخص هناك الكثير من الإختبارات النفسية المعروفة التي يمكن بها التفريق بين المرض والإضطرابات النفسية. 
ads