اقتصاد النظر.. شاهد ليكسب الآخر

اقتصاد النظر.. شاهد ليكسب الآخر

  • ٢٠ أيار ٢٠٢٤
  • غادة حدّاد

تسجيل الدخول، المتابعة، الاشتراك، والدعم، تبدو لحظات خفيفة ومسلية لنا، لكنها مصدر ربح وثراء لصانعي المحتوى والمنصات.

ads
مع كل ما يناله المؤثرون من نقد واستهزاء مما يقومون به. وعلى الرغم من اعتبار أن أعمالهم سخيفة ولا تطلب مجهود، لكن في الواقع حوّل العالم الافتراضي الاقتصاد العالمي بشكل ملموس. في عصر ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن من السهل قياس التأثير بشكل مادي محسوس، كان يمكن ملاحظة تأثير شخصية أو نظرية من خلال حجم التأييد الشعبي، أو عدد المتبنين للفكرة في إطار نسبي، أي لم يكن ممكن تعداد المقتنعين بأرقام محدّدة.
 
أما اليوم، فيقاس تأثير أي محتوى بناء على عدد المشاهدات التي يحقّقها على مختلف التطبيقات، مما يدرّ أرباحاً على أصحاب الحسابات والمواقع على حدٍ سواء. وتسبّب هذا الأمر في خلاف بين الرئيس التنفيذي لشركة فايسبوك مارك زوكربرغ والدولة الصينية مثلاً، التي رفضت السماح بدخول التطبيق إلى سوقها، نظراً لرفض فايسبوك دفع ثمن بيانات المستخدمين من الشعب الصيني، والتي ستستحوذ عليها المنصة مجاناً. في وقت يشكل سوق الصين منجماً للأرباح، لكونها تضم أكبر عدد من السكان في العالم. وقد دفع هذا الأمر بشركات صينية لاستحداث تطبيقات مشابهة لفايسبوك وواتساب، ولعل أشهرها اليوم هو تطبيق تيك توك، الذي تحاول الولايات المتحدة محاربته تارة، أو شرائه تارة أخرى.

تحوّلت وسائل التواصل لأدوات لبدء الأعمال التجارية أو إنشاء علامات تجارية. وبعد الأزمة المالية عام 2008، فقد الملايين وظائفهم، مما أدى الى التشكيك في فكرة الاعتماد على المسار الوظيفي التقليدي. ترافق هذا التشكيك مع التفاؤل حول وادي السيليكون، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة جديدة للغاية. دفعت هذه العوامل مجموعة من المؤثرين الى الانتقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

وبسبب الضائقة الاقتصادية كانت الشركات الإعلانية تحاول البقاء على قيد الحياة، وكانت كل الصناعات تكافح، فأثارت إعجاب هذه الشركات الطريقة التي نجح بها المدونون والمؤثرون الأوائل في تكوين جماهير مخلصة ومتفاعلة في كثير من الأحيان بشكل متخصص جداً.  كانت هذه الجماهير مستهدفة بشكل كبير، وكان من السهل قياسها نظراً لاقتصارها على العالم الرقمي. عندما لاحظت الشركات الإعلانية ما كان يحدث مع هذه الدفعة الأولى من المؤثرين، أدركت أنّها على أعتاب فصل جديد.

عند دراسة عوامل السيطرة داخل اقتصاد صانعي المحتوى، إنّ منصات التواصل الاجتماعي تتحكّم بشكل رئيسي فيما يتعلق بالسلطة المالية. تتدفق الدولارات الإعلانية، التي تمثل 100 في المئة من الإيرادات، حصرياً إلى المنصات، مما يترك صانعي المحتوى بدون حصة. ومع ذلك، تبرز يوتيوب كاستثناء من خلال برامجها لتقاسم الإيرادات، مما يوفر لصانعي المحتوى فرصة للربح المالي. وبالتالي، يجب على صانعي المحتوى بذل الجهد للحصول على الدخل من مصادر أخرى غير الإعلانات.

كما تسعى المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام، إلى توسيع قاعدة مستخدميها وتعزيز المحتوى القصير الممتع. وفي ظلّ هذا التركيز المتجدد على محتوى الفيديو القصير، تبرز صناعة المحتوى كدور حيوي في تقديم الترفيه الذي يبحث عنه الجمهور. 

تتنوع المنصات التي تقدم فرصاً مالية لصناع المحتوى، من يوتيوب المُدر للأرباح الذي يدفع لصانعي المحتوى 4 مليارات دولار سنوياً، إلى إتسي، بـ 1.46 مليار دولار. تخصص إنستغرام، وووردبريس، وأمازون للنشر 460 مليون دولار و 348 مليون دولار و 220 مليون دولار لصانعي المحتوى على التوالي.

ووفقاً لورقة بحثية بعنوان «نموذج لاقتصاد المؤثرين»، الصادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية البريطاني في أيار 2023، يستكشف الباحثان «لين ويليام كونغ» و«سيغوانغ لي» من بحوث خارجية تشير إلى أنّ اقتصاد التسويق عبر المؤثرين نما في عام 2021، من ما يقرب من 2.0 مليار إلى ما يقرب من 13.8 مليار دولار، مع وجود حوالي 50 مليون صانع محتوى. وللتحقيق في هذا النمو الهائل، يستكشف كونغ ولي في ورقتهما توافق أصحاب العلامات التجارية والمؤثرين، وتشكيل الفارق والتسعير للمنتج، والتفاوض بين أصحاب العلامات التجارية والمؤثرين ودور التكنولوجيا في هذه العملية.

يشرح الباحثان أنّ التوافق المتجانس هو عملية يعمل فيها بائعو المنتجات، ذات النوعية العالية، عادة مع المؤثرين الذين يمتلكون جمهوراُ أكبر لعرض منتجاتهم بشكل أفضل. وهذا التزويج أمر حيوي في تحديد نجاح علامة البائع.
 

يمكن أن يكون المحتوى المنتج على شكل مقالات، ومدونات، وأغانٍ، وأفلام، ورقصات، إنفوجرافيك، ومسابقات رياضية، وفيديوهات تعليمية وتجريبية، أو بودكاست. يناقش مواضيع مختلفة مثل الرياضة، والعلاقات، والموسيقى، والسفر. يمكن دفع مبلغ لصانعي المحتوى في منصات وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من قبل المشتركين، أو طرف ثالث يسوّق المنتجات من خلال المحتوى. ومن بين الطرق الأكثر شيوعاً وفعالية لدفع المبالغ من قبل الأطراف الثالثة هي التسويق بالعمولة ووضع المنتج والإعلانات على أساس الدفع لكل نقرة. ينطوي التسويق بالعمولة على كسب مبلغ من المال لصانع المحتوى عند تسويق منتج شركة على المنصات، مثل يوتيوب، ولينكد إن، وانستغرام، وسناب شات، وفيسبوك. وعلى يوتيوب، يمكن لصانع المحتوى كسب ما بين 0.01 إلى 0.03 دولار أمريكي لكل مشاهدة بعد تحقيق الحد الأدنى من 4000 ساعة مشاهدة وعلى الأقل 1000 مشترك. وهذا يعني، في المتوسط، يمكن لصانع المحتوى كسب 1800 دولار أمريكي، لكل 100000 مشاهدة المحتوى الملائم والجذاب.

في عام 2023، كانت لدى شركة ميتا إجمالي إيراد سنوي يزيد عن 134 مليار دولار أمريكي، مقارنة بـ 116 مليار دولار في عام 2022. وأعلنت لينكد إن عن أعلى إيراد سنوي لها، حيث تجاوزت 15 مليار دولار أمريكي، بينما أعلنت سناب شات عن إيراد سنوي بقيمة 4.6 مليار دولار أمريكي.

ومن جهة المؤثرين، بات دخلهم يتراوح بين 200 إلى 3,000 دولار لكل منشور، وهو رقم يختلف بشكل كبير بناءً على العوامل مثل المنصة وعدد المتابعين ومعدلات التفاعل. على إنستغرام يتقاضى الذين يملكون أقل من 100 ألف متابع، حوالي 200 دولار لكل منشور. ومن يملكون بين 100 ألف و300 ألف متابع يكسبون حوالي 600 دولار لكل منشور. أما الذين يملكون أكثر من مليون متابع يكسبون أكثر من 2000 دولار لكل منشور. فيما يتقاضى المؤثرون حوالي 40-100 دولار لكل قصة، بينما يتقاضون ما بين 100-300 دولار في المتوسط لـ إنستغرام ريلز.

حتى عام 2022، كانت صانعي المحتوى على يوتيوب يتقاضون قرابة 1,154 دولار أسبوعياً، ذلك عبر حصولهم على حوالي 55 في المئة من إيرادات الإعلانات التي تولدها مقاطع الفيديو الخاصة بهم.. وعند التركيز على الأرباح لكل مشاهدة، تصبح الأرقام أكثر إثارة للاهتمام. بمتوسط، يكسب مستخدم يوتيوب حوالي 0.018 دولار لكل مشاهدة. وهذا يعني أنّ الوصول إلى 1,000 مشاهدة على الفيديو يمكن أن ينتج حوالي 18 دولاراً. ويمكن أن تؤدي مقاطع الفيديو التي تنتشر بشكل فيروسي أو تجذب بشكل مستمر آلافًا، إذا لم يكن ملايين، من المشاهدات، إلى أرباح كبيرة مع مرور الوقت.

أما الموقع الجديد الذي ينافس الكبار، فهو تيك توك، الذي تحوّل من منصة ترفيه، إلى وسيلة للربح السريع. يتمتع بخاصية لتعويض لصانعي المحتوى وهو صندوق مبدعي تيك توك، وهي مبادرة تكافئ المبدعين عن محتواهم المبتكر والمثير للاهتمام. تتراوح الأسعار من هذا الصندوق بين 0.02 و0.04 دولار لكل 1,000 مشاهدة. على الرغم من أنّ هذه الأرقام قد تبدو صغيرة عند النظرة الأولى، إلّا أّن سحر تيك توك يكمن في طبيعته الفيروسية. يمكن للفيديوهات أن تحقق ملايين المشاهدات بسرعة، مما يترجم تلك السنتات إلى مبالغ هامة. فيديو يحقق مليون مشاهدة، على سبيل المثال، يمكن أن يكسب بين 20 و40 دولاراً من صندوق المبدعين وحده.
ads