فيلم «للإيمان علامة» – نهاد الشامي.. لقاء الفن التشيكيلي مع السينما
فيلم «للإيمان علامة» – نهاد الشامي.. لقاء الفن التشيكيلي مع السينما
الضوء لغة بحد ذاتها. منذ اللحظات الأولى، تأسرنا الكاميرا بجماليات بصرية تستحضر روائع لوحات «فيرمير» و«ميليه»، وتستلهم من «كارافاجيو» التباين الدرامي بين النور والظلمة برؤية تشكيلية فريدة

تلاعب بالضوء والظل: الإيمان كمنارة في دروب المحن
بجمال بصري آسر، يُجسّد فبلم «للإيمان علامة» لغة تتجاوز الكلمات، حيث يصبح الصمت والضوء أبلغ من الحديث. فهنا، يتحول التعبير إلى نظرات، وظلال، وحركات مغمورة بإيقاع الصمت، تُحكى من خلالها قصة بطلة تمضي في درب المحنة بكرامة لا تنكسر وأمل لا يخبو.
ينقلنا الفيلم إلى قلب حكاية نهاد الشامي، المرأة التقية والأم لاثني عشر طفلًا، التي تواجه قسوة زوج جبلي صارم وعداء حماة مستبدة. تُتهم ظلمًا، تُضطهد، لكنها لا تستسلم، إذ تستمد ثباتها من إيمان لا يقتصر على كونه عنصرًا سرديًا، بل يتحول إلى حضور محسوس، خيط نور يمتد عبر ظلام الظلم والابتلاء. وحين ينهك الجسد تحت وطأة المحن، يتجلى الإيمان في بعده المعجز، فينقلب الواقع، وتتحول المحنة إلى إشراقة تتجاوز حدود المنطق.
بإخراج ينضح بالشعرية، وأداء تمثيلي يخترق القلوب، وتصوير سينمائي متقن بأدق تفاصيله، يثبت هذا العمل أنّ اللغة البصرية وحدها تكفي لتحكي أعمق القصص وتلامس أرواح المشاهدين. إنّه عمل بديع سيظل محفورًا في الذاكرة، حتى بعد إسدال الستار على آخر مشاهده.
رؤية تشكيلية: الضوء كلغة بحد ذاته
منذ اللقطات الأولى، تأسر الكاميرا ثقل الصمت، وتعابير الوجوه المنهكة، وقسوة الحياة الريفية، في توازن مع دفء ضوء ذهبي يتسلل برقة إلى مشاهد الحياة اليومية. التصوير المتقن يستحضر لوحات «فيرمير» و«ميليه»، حيث يتحول كل تفصيل بسيط إلى طقس مقدس. فالمرأة الحامل التي تحمل جرة ماء عبر ممر وعر، أو تلك التي تغسل الثياب على ضفاف نهر في ضوء الفجر، تبدو وكأنّها جزء من لوحة ناطقة، حيث تتحدث المادة عن ذاتها بصمت شاعري.
كما يستلهم الفيلم من أسلوب «كارافاجيو»، فيبرز التباين الدرامي بين الظلمة والنور، إذ تغرق الشخصيات القاسية في العتمة، بينما تحيط هالة من الضوء بالبطلة التي تحمل الرجاء في قلبها، كأنّما النور يميز القلوب النقية عن غيرها.
رمزية الشجرة: شاهد صامت على الزمن
في صلب القصة، تمتد شجرة عبر الفصول، شاهدة على مصير البطلة. زرعتها صبيحة يوم زفافها، فكبرت معها، تتفرع أغصانها كأطفالها، ويزداد جذعها صلابة كلما اشتد البلاء عليها. تتحول كل لقطة لهذه الشجرة إلى انعكاس لمسيرتها، ومرآة صامتة لحياتها وتحوّلاتها.
مشهد خالد: حمّام الغفران
من بين المشاهد الأكثر تأثيرًا، تأتي لحظة إستحمام الحماة المشلولة، التي تتجاوز مجرد فعل العناية، لتصبح طقسًا من التطهير الروحي. الماء الذي ينسكب على الجسد الواهن ليس مجرد تنظيف، بل هو محو صامت للأحقاد، تطهير للآثام، كأنّه صلاة صامتة تترجمها قطرات الضوء المنعكسة على سطح الماء، في مشهد يشبه لوحات «جورج دو لا تور»، حيث تتحول الظلال إلى ومضات رجاء.
بين المحنة والمعجزة: نهاية معلّقة بين الظل والنور
وحين يحلّ المرض، ويذوي الجسد، يتلاشى العالم من حول البطلة، فيصورها الفيلم وسط ضوء باهت، بينما تتطلع عائلتها إليها من خلف زجاج، حاجز شفاف يفصل الحياة عن الموت. إنّها صورة تحمل في صمتها كل هشاشة الوجود.
لكن الإيمان، الحاضر في كل زوايا الحكاية، ينفجر في لحظة من السمو المطلق. فتغمر الشاشة رؤية من نور سرمدي، ويصبح الضوء شخصية بحد ذاته، يملأ المشهد بقوة لا توصف، كأنّه صوت الخلاص الذي يبدّد الظلام.
تحفة خالدة
من خلال جمال بصري نادر، يرتقي فبلم «للإيمان علامة» من مجرد شهادة على قصة مؤثرة إلى لوحة إنسانية كونية عن الإيمان والصبر والفداء. كل صورة فيه صلاة، كل صمت صرخة إحساس، كل ضوء نافذة للأمل، وكل مشهد طقس حواري مع العالم.

