سقوط حزب الله… حين لا تأتي النهاية من الخارج
سقوط حزب الله… حين لا تأتي النهاية من الخارج
حين ينتقل الخطاب من مواجهة العدو الخارجي إلى تحميل الدولة مسؤولية الفشل، فهذا مؤشر على بداية مأزق داخلي خطير، غالباً ما يسبق محاولات جرّ البلد إلى صدام سياسي أو أمني
السؤال الحقيقي المطروح اليوم حول حزب الله لم يعد مرتبطاً بقدرة إسرائيل على هزيمته عسكرياً، بل بطبيعة النهاية نفسها. التجربة التاريخية في لبنان والمنطقة تُظهر أنّ الميليشيات لا تُهزَم عادةً بفعل عدو خارجي، مهما بلغت قوته، بل تتآكل وتسقط عندما ينتقل الصراع إلى الداخل، وعندما تتحوّل من أداة «مقاومة» إلى عبء سياسي وإجتماعي داخل الدولة نفسها.
الضغوط الخارجية، من إغتيالات وغارات وحصار مالي، قد تستنزف أي تنظيم مسلّح، لكنها نادراً ما تنهيه. الخارج يدمّر، يضغط، ويُضعف، لكنه لا يحسم. الحسم يبدأ عندما يدخل التنظيم في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع مؤسسات دولته، أو عندما يبدأ بخوض معركة داخلية لتبرير عجزه الخارجي وإعادة شدّ العصبية في بيئته.
من هذا المنطلق، يكتسب خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الأخير أهمية إستثنائية. الهجوم المباشر على الحكومة والوزراء لا يمكن قراءته كتصعيد سياسي عابر، بل كتحوّل في طبيعة الصراع. حين ينتقل الخطاب من مواجهة العدو الخارجي إلى تحميل الداخل مسؤولية الفشل، فهذا مؤشر على بداية مأزق داخلي خطير، غالباً ما يسبق محاولات جرّ البلد إلى صدام سياسي أو أمني.
هذا المسار تعزّز بحملة إعلامية غير مسبوقة من صحافيين محسوبين على حزب الله، إستهدفت رئيس الجمهورية بأسلوب شخصي ومنفلت. هذا الإنفلات لا يعكس قوة، بل إرتباكاً. حين يبدأ الهجوم على رأس الدولة، ولو إعلامياً، فهذا يعني أنّ الأزمة خرجت من إطار المواجهة مع الخارج، ودخلت في صلب التوازنات الداخلية.
ميدانياً، تستمر الغارات والإغتيالات الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية، لكن التجربة أثبتت أنّ إسرائيل عاجزة عن إنهاء حزب الله عسكرياً. الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة نفسها، بل في آثارها التراكمية. قرى جنوبية دُمّرت ولم تُعاد إعمارها، وقرى جديدة تُدمَّر اليوم من دون أي أفق للتعويض أو العودة. هذا الواقع يضرب العلاقة بين الحزب وبيئته، ويحوّل الصمود إلى كلفة يومية متزايدة.
على المستوى المالي، لم يعد الدعم كافياً إلا لمنع الانهيار العسكري. التمويل الآتي من إيران بات موجّهاً للحفاظ على الحد الأدنى من الجهوزية القتالية، لا لإعادة الإعمار أو دعم المجتمع. مصادر قريبة من الحزب تؤكد أنّ تأمين الأموال من الخارج يزداد صعوبة شهراً بعد شهر، في ظلّ تضييق مالي متواصل وتراجع في القدرة على الإلتفاف عليه.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحديث أنّ صحيفة «الأخبار» تواجه صعوبات مالية، وهي المحسوبة مباشرة على حزب الله. هذا التطور لا يُقرأ كأزمة إعلامية فقط، بل كإشارة إلى خلل أعمق يطال البنية المالية والتنظيمية، حين تبدأ حتى الأدوات الدعائية الأساسية بالتراجع.
الخلاصة أنّ حزب الله قد لا يُهزَم من الخارج مهما اشتد الضغط الإسرائيلي، لكن الخطر الحقيقي يكمن في الداخل. التاريخ اللبناني يقدّم درساً واضحاً: السلاح لا يسقط بالقصف، بل عندما يُدفع إلى مواجهة الدولة. وفي لبنان، المثال الأوضح هو الجناح العسكري للقوات اللبنانية، الذي لم ينتهِ رغم سنوات طويلة من الصدام مع المنظمات الفلسطينية، ولا بفعل الوجود العسكري السوري، بل سقط فقط عندما دخل في حرب مباشرة مع الجيش اللبناني. عندها، تحوّل من قوة أمر واقع إلى خصم داخلي للشرعية، وكانت تلك لحظة النهاية.

