حين يتحوّل إنتظار حصرية السلاح الى سلاح

حين يتحوّل إنتظار حصرية السلاح الى سلاح

  • ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

الجميع ضحايا إنتظار الحلول، إنتظار الإنفراج، فيما البلاد معلّقة بين الإنهيار والإستنزاف فإلى متى يتمّ تأجيل الحياة الطبيعية للبنانيين؟

إنّ مرارة الإنتظار لا تقتصر على تأخر حصرية السلاح بل على الإحساس العميق بأنّ الوطن مختطف، إنّه إنتظار بلا أفق، بلا مواعيد، بلا أجوبة، والسبب شديد الوضوح إذ إنّ فئة من اللبنانيين أو ما بات يُعرف بالثنائي الشيعي قرّرت أخذ البلاد رهينة واعتبار الناس، أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم وذكرياتهم وأحلامهم مجرّد أرقام في معادلات إقليمية ودولية.

 يكبر الأطفال في ظلّ هذا الإنتظار ويهاجر الشباب ويشيخ الكبار في وحدتهم في انتظار غد لا يأتي، وتُستنزف البلاد إقتصادياً بعد أن تُفرغ من كفاءاتها وطاقاتها، وتعزّ لقمة العيش ويُدفع أبناؤها الى اليأس نتيجة إنسداد الأفق.

 تلك الفئة المذهبية التي تزعم حماية البلاد والدفاع عن كرامتها وتمثيلها لا تحمي سوى إمتيازاتها ولا تمثّل  إلا مشروعها الخاص، تتغذّى على الأزمات والخراب وتستثمر في الخوف، وتُطيل أمد الشلل لأنّ الأمن والإستقرار يهدّدان نفوذها، وهكذا يتحوّل الإنتظار إلى سياسة والتعطيل إلى نهج، والمعاناة اليومية من فقر وتهجير  ودمار إلى ثمن يدفعه الشعب اللبناني بصمت في قضايا لا ناقة له فيها ولا جمل، شعب بأكمله يُستخدم كدرع بشريّ بمشاريع وصاية خارجية ويدفع الثمن من كرامته ومن مستقبل أجياله.

إنّ مرارة الإنتظار ليست قدراً بل نتيجة مباشرة لهيمنة منظمة،  كل تأخير في الحلول وكل شلل في المؤسسات، وكل إنهيار في الخدمات ليس صدفة ولا عجزاً بل قرار محسوب الهدف جيداً وهو شراء الوقت وإبقاء البلاد في حالة تعليق دائم بين الحاضر المأزوم وبين المجهول الغامض، لأنّ منطق الدولة القوية السيّدة على حدودها وكامل أراضها يهدّد مصالح من يعيشون في الفوضى وكل أنواع التهريب.

 هذه الفئة لا تحكم فقط بل تعطّل وتمنع وتصادر عمل المؤسسات وتفاوض بإسم الوطن من دون تفويض جامع محاولة إحتكار كل القرارات الإقتصادية والسياسية وعلى رأسها قرار الحرب والسلم، كذلك تفرض خياراتها بالقوة  وبالإبتزاز السياسي والأمني عبر التهديد بالحرب الأهلية فيما يُترك المواطن المسروق وحيداً أعزل في مواجهة الإنهيار والقلق اليومي على الغد الآتي.

 والأخطر من ذلك كلّه هو محاولة فرض هذا الواقع كأمر طبيعي لا يُناقش، وتخدير الناس بالإطلالات المتلفزة، وبالخطابات الفارغة والمكرّرة والمملّة والتي تفتقر أحياناً كثيرة الى اللياقة إذ تلجأ إلى الشتيمة والإستقواء والسباب والصراخ نتيجة إنكار الواقع المستجدّ والعجز أمام الخارج بهدف الإستقواء على الداخل، كما تسعى هذه الخطب لتخويف الناس من البدائل وكأنّ الخيار الوحيد هو القبول بواقع الرهينة المختطفة أو الغرق في الفوضى، والحقيقة أنّ الرهينة والفوضى وجهان لسياسة واحدة.

 في هذا الإنتظار الثقيل لا يقف المواطن عاجزاً فقط أمام إنسداد الأفق بل أمام واقع أكثر قساوة وفجاجة: حين تتحكم أقلية مذهبية بمصائر أكثرية الشعب اللبناني في احتكار القرار الوطني وربط حاضر البلاد ومستقبلها بإرادات خارج الحدود وبذلك لا يعود الوطن بيتاً جامعاً بل أداة نفوذ وقمع وساحة تصفية حسابات، لذلك لم يعُد الإنتظار القسري صبراً بل إذلالاً يومياً وأداة هيمنة، ولم يعد السكوت عن إختطاف الوطن حكمة.

 فالأوطان لا تدار بالوصاية ولا تُبنى بمشاريع الآخرين الملتبسة ولا باللغة العالية السقوف ولا بالكلفة الباهظة لسياسة الإنتظار، وكسر هذه الحلقة لم يعد خياراً أو ترفاً سياسياً بل مسؤولية وطنية وضرورة وجودية، فإما دولة تحكمها إرادة شعبها ومؤسساتها الشرعية أو رهينة تُدار من الخارج، والشعب الذي يُطلب منه الإنتظار إلى ما لا نهاية يُدفع حكماً إلى الإنفجار أو إلى الإنكسار.

ولم يعد السؤال متى تنتهي الأزمة ويتمّ تحرير الرهينة، بل إلى متى يُسمح لفئة مذهبية التحكّم بمصير الجميع؟ وإلى متى سيبقى الوطن ورقة في يد من لا يرونه إلا ساحة صراع؟ والتاريخ لا يرحم من يصادر الأوطان ولا من يسكت على مصادرتها.

 لذا لم يعد الإنتظار مرحلة عابرة في حياة الناس بل أصبح واقعاً مفروضاً وسياسة مقصودة وهكذا أضحى الجميع ضحايا إنتظار الحلول، إنتظار الإنفراج وإنتظار الشبع، فيما البلاد معلّقة بين الإنهيار والإستنزاف فإلى متى يتمّ تأجيل الحياة الطبيعية للبنانيين؟