"بالفيديو- سيلين حيدر..."شفت أشلاء ووصلت للموت ورجعت

"بالفيديو- سيلين حيدر..."شفت أشلاء ووصلت للموت ورجعت

  • ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • إلياس معلوف

«ليست الشجاعة في الهروب من الألم، بل في الوقوف عاريًا أمامه، ناظرًا في عينيه، مدركًا أنّ لا خلاص إلا بالعبور من خلاله.»(دوستويفسكي)


سيلين حيدر، لاعبة كرة قدم في منتخب لبنان، شابة يعرّفها أصدقاؤها بمحبتها للحياة وبما تتمتع به من صفات قيادية. خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، تعرّضت لإصابة بالغة في الرأس أدخلتها في غيبوبة طويلة امتدت لأشهر، في زمن معلّق بين انتظار الأهل والأصدقاء، وتشبّثهم بالأمل في شفائها. بعد عام كامل، تعود سيلين اليوم لتستعيد حياتها، وتروي قصتها بشجاعة لا تقلّ عن شجاعة من واجهوا الحرب في الميدان.


حين تتحدث سيلين عن معاناتها، تحضر إلى الذهن مقولة دوستويفسكي: «ليست الشجاعة في الهروب من الألم، بل في الوقوف عاريًا أمامه، ناظرًا في عينيه، مدركًا أنّ لا خلاص إلا بالعبور من خلاله.» فهناك، في تلك اللحظات القاسية بين العجز والتعافي، وبين الخوف والأحلام التي لم تنكسر، تقول سيلين ببساطة حاسمة: «هذا رأسي، وأنا هنا، ما زلت على قيد الحياة. وقد نما شعري من جديد.»

تصف مواجهتها للإصابة بوعيٍ من عاد من حافة الموت: «أنا صرعت من كان آتيًا ليأخذني. قلت له: لا أريد، أريد أن أبقى مع أهلي. نعم، كان آتيًا ليأخذني. أسميه ملك الموت. في الطريق رأيت الأشلاء: أيدٍ، رؤوس. ربما لم يتوقف قلبي، لكنني ذهبت، متُّ، ثم عدت.»
 أما لحظة الإصابة فتقول: «في ١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٤ خرجت من بيتي إثر إنذار أدرعي باستهداف المنطقة. طلب منا بعض الشبان الإنتظار حتى مرور الغارة. شعرت بأنّنا في مأمن، إلى أن اخترقت قطعة حديد رأسي. أُصبت بكسر في الجمجمة، ونزيف في الدماغ، ودخلت في غيبوبة استمرت شهرين وخمسة وعشرين يومًا.» خلال تلك المرحلة، حين كان الكلام مستحيلًا، لجأت سيلين إلى الكتابة لتقول ما لا يُحتمل قوله: «عندما أدركت ما أصابني، كتبت لعائلتي احترقت أحلامي. واليوم أقول من جديد، لم يحترق شيء. أنا هنا. تقدّمت إلى شهادة تدريب، وأنا أعيش.»

تجربة الألم، والوقوف على مسافة قريبة من الموت، أعادت تشكيل علاقتها بالحياة. كل خطوة، كل نفس، كل لحظة باتت تحمل معناها الخاص. تقول: «في لحظة واحدة، كنت واقفة مثل أي إنسان، وجاءني الموت من حيث لا أعلم. لا شيء أرخص من الحياة حين نفقدها في ثانية. لا يعرف الإنسان متى يفقد أحبّاءه. فلنتمسّك بمن نحب، لأن لحظة الفراق قد تأتي دون إنذار. هذه هي قاعدتي اليوم.»
اليوم، تعود سيلين حيدر إلى الملعب، إلى الحياة، وإلى حلمها، لا بوصفها ناجية فحسب، بل شاهدة على أنّ الحياة، مهما اشتدت قسوتها، أقوى من الحرب، وأن إرادة الإنسان قادرة على مصارعة الألم والعودة محمّلة بالمعنى.