تعنيف الأطفال في زمن التوثيق… ما تكشفه الكاميرا وما يخفيه المجتمع
تعنيف الأطفال في زمن التوثيق… ما تكشفه الكاميرا وما يخفيه المجتمع
من مشاهد مصوّرة تهزّ الضمير الإنساني، إلى شهادات نفسية يتكشّف حجم العنف الذي يطال الأطفال اليوم. عنف لا يقتصر على فرد أو مكان، بل يعكس خللًا أعمق في المجتمع والمؤسسات.
فيديوهات صادمة تتصدّر الشاشات، أمّ تدفع طفلتها وتصرخ «لا أريدك»، وممرّضة تُوثَّق بالكاميرا وهي تضرب رضيعة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. مشاهد تهزّ كيان الفرد وتعيد طرح سؤال مقلق: هل نشهد فعلًا تصاعدًا غير مسبوق في العنف ضدّ الأطفال، أم أنّ هذا العنف كان موجودًا منذ زمن، لكنّ عصر التوثيق كسر جدار الصمت وعرّى ما كان يُرتكب في الخفاء؟
في الواقع، قد لا يكون العنف جديدًا، لكن الجديد هو خروجه إلى العلن، وتحويله من حكايات تُهمَس داخل البيوت والمؤسسات إلى وقائع موثّقة بالصوت والصورة، يصعب إنكارها أو التستّر عليها. وفي الحالتين، الثابت أنّ الطفل بات اليوم في قلب دائرة الخطر، لا داخل العائلة فحسب، بل أيضًا في مؤسسات يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للتربية والرعاية.
عنف يتجاوز حدود المنزل
من العنف الفردي إلى العنف المؤسسي، تتّسع دائرة الإنتهاكات. ففي خضمّ فضيحة مدوّية هزّت تعليمية في فرنسا، برزت قضية إغلاق مؤسسة «نوتر دام دو بيتارام» كخيار مطروح، بعد الكشف عن عقود من العنف والإعتداءات داخلها، في محاولة لوقف النزيف واستعادة الثقة التي تضرّرت بشدّة. هذه القضية، إلى جانب وقائع أخرى متداولة بالصوت والصورة، تؤكّد أنّ العنف ضدّ الأطفال لم يعد محصورًا في نطاق العائلة، بل امتدّ إلى مؤسسات تربوية وصحية يُفترض أن تكون محميّة بالقانون والأخلاق.
وعلى مستوى أوسع، يعكس العنف ضدّ الأطفال بُعدًا أكثر خطورة في البيئات غير المستقرة. إذ وثّقت الأمم المتحدة في تقريرها لعام 2025 أنّ عام 2024 شهد أعلى عدد من الإنتهاكات الجسيمة بحقّ الأطفال في النزاعات المسلحة منذ نحو 30 عامًا، مع تسجيل أكثر من 41 ألف إنتهاك، شملت القتل والتشويه والتجنيد القسري والإعتداءات الجسدية، ما يسلّط الضوء على هشاشة الطفولة في زمن الحروب والأزمات.
تفسير نفسي وإجتماعي للظاهرة
يعتبر المدرّب والمتخصّص النفسي فؤاد قدّوم أنّ الطفل قد يتعرّض للعنف في أماكن متعدّدة، من المنزل إلى المدرسة والمؤسسات المختلفة، مشيرًا إلى أنّ غياب التطوير الحقيقي للصحة النفسية لدى عدد كبير من البالغين ينعكس مباشرة على سلوكهم تجاه الأطفال.
ويشرح أنّ بعض الأشخاص، خصوصًا في ظلّ الضغوط الإقتصادية والإجتماعية، يلجأون إلى تفريغ غضبهم وإحباطهم على الأطفال، لا سيما عندما لا تربطهم بهم علاقة عاطفية مباشرة، عبر الضرب أو التحرّش أو أشكال أخرى من العنف. كما يلفت إلى أنّ ضعف الأجور وغياب التدريب والدعم النفسي داخل بعض المؤسسات التعليمية يؤدّي إلى التفلت وغياب الرقابة.
ويضيف قدّوم أنّ بعض البُنى النفسية الهشّة تميل إلى البحث عن الحلقة الأضعف لإثبات السيطرة، وفي هذه السلسلة غالبًا ما يكون الطفل هو الضحية الأسهل.
أزمة صحة نفسية عامة
ويؤكّد قدّوم أنّ المجتمع اللبناني يعاني من أزمة صحة نفسية واسعة النطاق، مشيرًا إلى أنّ نسبة كبيرة من اللبنانيين بحاجة إلى دعم نفسي، في ظلّ الأزمات المتراكمة والإنهيارات المتلاحقة. ويعتبر أنّ أي شخص يعمل في مجال يتطلّب التعامل المباشر مع الآخرين، وخصوصًا الأطفال، يجب أن يخضع لتدريب إلزامي في هذا المجال، حمايةً للطفل وللمجتمع ككل.
كما يحذّر من أنّ الأطفال اليوم باتوا أكثر عرضة للتلاعب النفسي، لا سيما في ظل إهمال بعض الأهالي أو غياب المتابعة، وهو خطر يتزايد بشكل خاص لدى الأطفال فوق سنّ الخامسة.
صدمات الحروب تنتقل إلى الأجيال
من جهتها، تعتبر الطبيبة النفسية فانيسا كسّاب أنّ العنف ضدّ الأطفال هو نتاج عوامل إجتماعية ونفسية متداخلة، أبرزها الضغوط المزمنة الناتجة عن الأزمات الاقتصادية والحروب وعدم الاستقرار.
وتوضح أنّ هذه الضغوط تضع الأهل في حالة توتّر دائم (chronic stress)، حيث يعيش الجهاز العصبي في حالة تهديد مستمر، ما ينعكس إنفعالات حادّة وسلوكيات غير منظّمة تجاه الأطفال. كما أنّ الصدمات النفسية غير المعالجة والصدمات المنقولة بين الأجيال، تساهم في إعادة إنتاج العنف داخل العائلة والمجتمع.
هل يتذكّر الطفل التعنيف؟
تؤكّد كسّاب أنّ الصدمة تُسجَّل في الدماغ حتى في عمر الرضيع، إذ يكون الجهاز العصبي في حالة خوف وتأهّب دائمين، ما يؤدّي لاحقًا إلى صعوبات في تنظيم المشاعر، وقد يعبّر الطفل عنها بسلوكيات عنيفة أو مضطربة.
وتضيف أنّ العنف الصادر عن أشخاص مقرّبين يخلّف آثارًا أعمق، كاضطرابات التعلّق وفقدان الشعور بالأمان، حتى وإن عجز الطفل عن التعبير اللفظي عمّا تعرّض له.
ما بين العلاج والمحاسبة
في الخلاصة، يتّضح أنّ العنف ضدّ الأطفال ليس حادثة فردية أو خللًا عابرًا، بل أزمة بنيوية عميقة. فالتوثيق، مهما كان صادمًا، لا يكفي وحده، كما أنّ القوانين تبقى عاجزة إذا لم تُرفق بعلاج جذري للأسباب النفسية والاجتماعية.
في الخلاصة، حماية الطفل لا تتحقّق بالوعي وحده، ولا بالقانون فقط، بل بتكامل العلاج والعدالة، وبالإعتراف الجماعي بأنّ الصمت الطويل كان شريكًا في هذا العنف، وأنّ كسره هو الخطوة الأولى نحو حماية الطفولة.

