لماذا يجب أن نقلق عندما تتوقف المرأة عن الصراخ؟

لماذا يجب أن نقلق عندما تتوقف المرأة عن الصراخ؟

  • ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • تيريزا كرم

الخطر الحقيقي ليس في غضب النساء، بل في مجتمع لم يعد يسمع إلا صوت السلاح.

 ما يُسمّى بـ«مشاكل النساء» في لبنان لم يعد يُختصر اليوم  في الصورة التقليدية النمطية في التداول الشعبي وتتمحور حول مشادّات كلامية أو شدّ شعر وصراخ عصبي. المشهد يتغيّر جذريًا عبر مشادات نسائية ساهم في انتشارها الهاتف المحمول ووسائل التواصل الإجتماعي.  لتظهر أنّ ما نشهده تحوّل خطير في شكل العنف، حيث بات السلاح الأبيض وحتى المسدس حاضرًا في نزاعات فردية يومية وطبيعية، وبدأ يُتداول توصيف «مافيا نسائية» في بلد لم يعتد تاريخيًا ولا إجتماعياً رؤية النساء في واجهة العنف المسلّح اليوم.

في شارع مار الياس في بيروت، وقع إشكال بين إمرأة وعدد من الأشخاص، اتُّهمت خلاله بإشهار مسدس. حادثة عابرة في ظاهرها، لكنها في دلالاتها أبعد بكثير. وقبل أيام، شهدت مدينة بعلبك حادثة صادمة في قلب السوق، بعد مشادة بين سيدات من آل «جعفر» وسيدتين من آل «مصري»، تطورت إلى اعتداء بالسكاكين وتحطيم سيارة، وسط فلتان أمني غير مسبوق أثار موجة استنكار واسعة.

هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن الواقع اللبناني العام، حيث يتحوّل أي احتكاك يومي إلى انفجار غضب، وحيث يغيب القانون لتحضر القوة. لكن اللافت اليوم هو دخول النساء هذا المشهد العنيف بذات الأدوات والأساليب التي طالما ارتبطت بالرجال. هنا، لا يعود الحديث عن «إشكال فردي» أو «حادثة معزولة»، بل عن مؤشر اجتماعي على انهيار قيمي في العلاقات بين الناس أعمق يضرب المجتمع اللبناني من جذوره.

النساء لا ينطلقن من فراغ. فخلف هذا الغضب تراكمات طويلة من العنف الإجتماعي، والتهميش، وتوسّع الفجوات الاقتصادية، وانسداد الأفق، فتتداخل الأسباب النّفسيّة والاجتماعيّة للعنف بشكل معقّد، إذ يمكن أن يؤثّر الفقر والتّهميش الاجتماعي والإشباع اليومي من الأخبار السلبية على الصّحة النّفسيّة للأفراد، ما يزيد من قابليتهم لتطوير سلوكيّات عدوانيّة. وفي المقابل، فإنّ الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسيّة أو صدمات قد يصبحون أكثر حساسيّة للمحفزات الإجتماعيّة، ممّا يعزز احتمال رد فعلهم العنيف تجاه التوترات الاجتماعيّ.

وقد يترسخ لديهم شعور بالغضب والإحتقان، ما قد يؤدّي إلى سلوكيّات عدوانيّة. وقد تخلق هذه الضّغوط شعورًا بالعزلة والإحباط، ما يزيد من احتماليّة تصرّف الأفراد بشكل عدواني. متكرر في حياتهم اليومية

في بلد ينهار فيه كل شيء، لا تعيش المرأة خارج هذا الإنهيار، بل غالبًا في قلبه، مضاعفة الأعباء بين العمل والمنزل والمسؤوليات الاجتماعية.

ومع ذلك، الغضب المشروع لا يبرر الإنزلاق إلى منطق «المافيات»، ولا يحوّل السلاح إلى أداة تعبير. الخطورة هنا ليست في أنّ النساء أصبحن «أكثر عنفًا»، بل في أنّ العنف نفسه والسلاح باتا لغة يومية مقبولة، وأن السلاح خرج نهائيًا من أي إطار ردعي أو قانوني.

يفترض كثيرون، ظاهريًا، أن الرجال أكثر غضبًا من النساء. لكن الأبحاث والدراسات تقول عكس ذلك. فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة جنوب غرب ولاية ميزوري الأميركية، وشملت 200 رجل وامرأة، أنّ النساء يعانين من الغضب بنفس وتيرة الرجال وحدّته. الفارق الأساسي لا يكمن في وجود الغضب، بل في طريقة التعامل معه. إذ تبيّن أنّ النساء كنّ أكثر قدرة على التحكم في ردود الفعل الاندفاعية مقارنة بالرجال.

وتشير دراسات أخرى، نقلتها صحيفة «الغارديان»، إلى أنّ الاختلاف قد يكون مرتبطًا ببنية الدماغ، حيث إنّ القشرة الأمامية المدارية المسؤولة عن ضبط الدوافع العدوانية تكون أكبر نسبيًا لدى النساء، ما يساعدهن على كبح الغضب. لكن هذا الكبح، عندما يستمر طويلًا في ظل ضغط متواصل، لا يختفي، بل يتراكم.

تحليل أجرته شبكة «بي بي سي» لبيانات استطلاع «غالوب» العالمي على مدى عشر سنوات، أظهر أنّ النساء يزدن غضبًا وتوترًا مع الوقت مقارنة بالرجال، مع اتساع الفجوة بشكل خاص خلال الأزمات الكبرى، مثل جائحة كوفيد-19. وترى الطبيبة النفسية لاكشمي فيجاياكومار أنّ هذا الغضب المتصاعد هو نتيجة التنافر بين تحرّر المرأة خارج المنزل واستمرار الأنظمة الأبوية داخل البيت، ما يخلق شعورًا دائمًا بالقمع والتناقض.

في السياق اللبناني، يضاف إلى ذلك عامل أساسي: صعوبة العيش ومنطق التفلت الذي أصبح «شبه عادي». فعندما تغيب العدالة، ويغيب الأمان، ويصبح السلاح متاحًا، يتحول الغضب من صراخ إلى فعل، ومن احتجاج إلى اعتداء. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فحين تتوقف المرأة عن الصراخ، لا يعني ذلك أنّها هدأت، بل ربما وصلت إلى مرحلة أخطر، حيث يصبح العنف هو اللغة البديلة.

السؤال اليوم لا يقتصر على حصر سلاح جهة بعينها، بل يتوسع ليشمل ضرورة حصر السلاح المتفلت بين جميع اللبنانيين، رجالًا ونساءً. فالسلاح، أيًا كان حامله، هو إعلان فشل عن انكسار لمنظومة القيم، وتهديد مباشر للسلم الأهلي.

المرأة اللبنانية لطالما كانت عنصر توازن في مجتمع مأزوم. تحويلها إلى فاعل في الفوضى ليس انتصارًا لها، بل خسارة إضافية لمجتمع ينهار. والخطر الحقيقي ليس في غضب النساء، بل في مجتمع لم يعد يسمع إلا صوت السلاح.

المشكلة في جوهرها ليست سلاحًا ولا جنسًا، بل انهيار منظومة قيم سمحت للعنف بأن يصبح لغة يومية، وللقوة بأن تحلّ مكان القانون، وللشارع بأن يتقدّم على الدوائر القانونية المختصة بحل النزاعات.