زواج القاصرات.. حين يتحوّل الفقر إلى عقد زواج
زواج القاصرات.. حين يتحوّل الفقر إلى عقد زواج
تخيّل في القرن الواحد والعشرين، طفلة بعمر 12 أو 13 سنة، تسمعها تقول: «كنت مرعوبة… ما بعرف شو يعني زواج».
تخيّل في القرن الواحد والعشرين، طفلة بعمر 12 أو 13 سنة تُزفّ إلى الزواج، وتسمعها تقول لاحقًا: «كنت مرعوبة… ما بعرف شو يعني زواج». أي معنى يمكن أن يحمله هذا الزواج؟ إنّها مسؤولية لا يمكن لطفلة لم يكتمل نموّها الجسدي ولا النفسي أن تتحمّلها.
زواج القاصرات ليس مسألة اجتماعية عابرة، ولا «حلًّا ظرفيًا» للفقر أو للأزمات. هو خطر حقيقي ومباشر يهدّد صحة الفتيات الجسدية والنفسية، ويضعهن في دائرة العنف الأسري، والضغط النفسي، والحمل المبكر الذي قد يهدد الحياة نفسها. وفي بلد مثل لبنان، حيث لا يوجد قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، تبقى آلاف الفتيات بلا حماية قانونية فعلية.
الأرقام صادمة ولا يمكن تجاهلها.
تشير دراسات وتقارير حقوقية إلى أنّ ما يقارب 20% من حالات الزواج في لبنان تشمل أشخاصًا دون سن 18 عامًا، والغالبية الساحقة منهن فتيات. الأخطر أنّ 10% من الفتيات بين 13 و15 سنة متزوجات، فيما ترتفع النسبة بشكل كارثي بين اللاجئات السوريات لتصل إلى نحو 45%.
هذه الأرقام لا تعكس «اختيارًا حرًا»، بل واقعًا إجتماعيًا قاسيًا، حيث تتحوّل الفتاة في البيئات الأكثر فقرًا إلى وسيلة لتخفيف العبء الاقتصادي عن الأسرة، ويُقدَّم الزواج المبكر كحلّ، فيما هو في الحقيقة بوابة لجحيم طويل.
الزواج المبكر يعني عمليًا حرمان الفتاة من التعليم، وانقطاعها عن المدرسة، وتراجع فرصها في الإستقلال الإقتصادي، ما يرسّخ حلقة الفقر عبر الأجيال. وهو أيضًا أحد أشكال العنف القائم على النوع الإجتماعي، وانتهاك صريح لحقوق الإنسان، كما نصّت عليه إتفاقية حقوق الطفل ومعايير الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر.
فكل فتاة تُجبر على الزواج تصبح أكثر عرضة للإستغلال الجسدي والإقتصادي والنفسي. وفي كثير من الحالات، يمكن تصنيف هذا الواقع ضمن الإتجار بالأطفال، حتى لو تمّ الزواج بموافقة الأهل، لأنّ الموافقة هنا تُنتزع تحت ضغط الفقر، أو الخوف، أو الأعراف الاجتماعية، لا عن إرادة حرة واعية للطفلة نفسها.
من الناحية الصحية، الحمل المبكر يعرّض الفتيات لمضاعفات خطيرة، منها النزيف، فقر الدم، والولادات غير الآمنة، إضافة إلى ارتفاع معدلات الإكتئاب والإضطرابات النفسية. الفتاة الصغيرة لا تُحرم فقط من طفولتها، بل تُدفع إلى مسؤوليات تفوق قدرتها الجسدية والنفسية، من دون أي شبكة أمان حقيقية.
لهذا، فإنّ رفع سن الزواج إلى 18 سنة ليس ترفًا قانونيًا ولا صراعًا ثقافيًا، بل خطّ حماية أساسي للطفولة. هو حماية للتعليم، للصحة، ولحق الفتاة بأن تختبر حياتها، وتبني ذاتها، وتختار مستقبلها بحرّية. هو ضمانة بأن الطفولة في لبنان لم تعد سلعة قابلة للمقايضة تحت ضغط الحاجة أو التقاليد.
الظاهرة موجودة، نعم.
لكن السؤال الحقيقي: إلى متى ستُترك الفتيات بلا حماية من جهل مجتمعاتهن؟
وإلى متى سنستمر في سماع شهادات نساء يروين كيف سُرقت طفولتهن على مرأى الجميع، من دون محاسبة أو مساءلة؟
فالطفولة ليست عبئًا يزال بالزواج. والحماية تبدأ بقانون واضح، عادل، يضع مصلحة الطفلة فوق كل اعتبار.

