حين سقط «الحزب»… تذكّر باسيل الدولة

حين سقط «الحزب»… تذكّر باسيل الدولة

  • ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

جبران باسيل لم يغيّر موقفه من حزب الله لأنّ الحزب خان الدولة، بل لأنّه لم يعد قادراً على خدمته. وهذا، هو جوهر القصة.

لم يخرج جبران باسيل من تحالفه مع «حزب الله» لأنّ التفاهم سقط، بل لأنّ الحزب سقط! هذه هي الحقيقة التي تحاول تغريدته الأخيرة أن تُخفيها خلف لغة سياسية مصقولة عن «لبننة السلاح» و «الوظيفة الردعية» و «وحدة الساحات».

في تلك التغريدة، يستعيد باسيل رواية «تفاهم مار مخايل» بوصفه محاولة لإدخال خيارات الحزب وسلاحه في إطار الدولة والشراكة والدفاع عن لبنان، ثم يعلن أنّ التفاهم انهار عندما انهارت «مداميكه»، متهماً وحدة الساحات وحرب الإسناد بتدمير الحزب ولبنان معاً، ومحذراً من إعادة توريط البلد في دمار جديد بدل تحييده.

 

لكن المشكلة ليست في هذه السردية «الخفيفة»، بل في لحظة ظهورها. فالمراجعات التي تأتي بعد الهزيمة لا تكون مراجعات، بل إعادة تموضع. والمبادئ التي تُستخرج من تحت الركام لا تكون مبادئ، بل محاولة إنقاذ سياسي في اللحظة الأخيرة.

 

منذ 6 شباط 2006، يوم وُقِّع «تفاهم مار مخايل»، لم يكن «حزب الله» مشروع دولة، ولا سلاحه جزءاً من استراتيجية دفاعية وطنية، ولا قراره السيادي نابعاً من المؤسسات اللبنانية. كان الحزب، منذ اللحظة الأولى، تنظيماً عسكرياً عابراً للدولة، مؤمناً بالعنف، مرتبطاً بمحور إقليمي، ويُخضِع الداخل اللبناني لحسابات الخارج. جبران باسيل كان يعرف ذلك. «التيار الوطني الحر» كان يعرف ذلك. ومع ذلك، لم يكن هذا الواقع يوماً سبباً للإعتراض، بل كان أساس التحالف.

 

تحت مظلة هذا التفاهم، تغيّر شكل الحياة السياسية في لبنان. أُقفلت طرقات، احتُلت ساحات، سقطت حكومات، وعُطلت استحقاقات دستورية أساسية، من انتخابات رئاسية إلى تشكيل حكومات. فُرضت أعراف جديدة بقوة الشارع والسلاح، لا بقوة الدستور. مرت اغتيالات مفصلية، وإنقلابات سياسية ناعمة، وكان «التيار» شريكاً بالصوت أو بالصمت. وهذا الصمت لم يكن حياداً ولا حرجاً، بل قبولاً كاملاً بالنتائج طالما أنّها تصب في مصلحته.

 

حين ذهب «حزب الله» إلى سوريا، لم يكن ذلك خروجاً مفاجئاً عن «لبننة الخيارات». وحين قاتل في اليمن، وهاجم الخليج سياسياً وإعلامياً، وربط مصير لبنان بمشروع إقليمي واسع، لم يرَ باسيل في ذلك سقوطاً للمداميك. لم يُعلن يومها أنّ التفاهم انتهى، ولا أنّ السلاح انحرف عن وظيفته، ولا أنّ لبنان يُستعمل ساحة لحروب الآخرين. بالعكس، استمر التحالف، واستمر الدفاع عنه، واستمر الإستثمار السياسي فيه.

 

لم تكن وظيفة السلاح، طوال تلك السنوات، «ردعية» في خطاب التيار، بل كانت وظيفته واضحة وفعّالة: إنتاج فائض قوة داخلي يسمح بإعادة رسم موازين السلطة. فمقابل الغطاء المسيحي وشرعية الحُكم، حصل «التيار» على رئاسة الجمهورية، وعلى مواقع أساسية في الحكم، وعلى نفوذ غير مسبوق في الإدارة والقرار. حصل على حصانة سياسية من المحاسبة، وعلى شريك يتغاضى عن الفساد، وعن سوء الإدارة، وعن تفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة. كانت صفقة مكتملة الأركان، السلاح مقابل السلطة.

 

اليوم، بعد الحرب، تغيّر المشهد جذرياً. الحزب خرج مثقلاً بالخسائر، متآكلاً في صورته، محدود القدرة على فرض الشروط أو حماية الحلفاء. لم يعد قادراً على تأمين ما كان يؤمّنه سابقاً. هنا فقط، اكتشف باسيل أنّ وحدة الساحات دمرت لبنان، وأنّ السلاح فقد وظيفته، وأنّ التفاهم لم يعد صالحاً للاستمرار. لا لأنّ الأسس تغيّرت، بل لأنّ الربح السياسي انتهى.

 

لو خرج الحزب من الحرب منتصراً، أو حتى متماسكاً، لما قرأنا هذه التغريدة. لو بقي قادراً على ضبط الداخل كما كان، لما سمعنا عن تحييد لبنان. ولو ظلّ السلاح مصدر قوة داخلية لا عبئاً سياسياً، لكان التيار أول من أعاد شدّ العصب، وربما طالب بتجديد التفاهم وتوسيعه، لا إعلان سقوطه.

 

المسألة، إذاً، ليست مسألة مبدأ ولا صحوة وطنية متأخرة. هي محاولة محسوبة للقفز من مركب يغرق، مع إدعاء أنّ القفز فعل شجاعة أخلاقية. لكن السياسة لا تُقاس بالبيانات المتأخرة، ولا تُغسَل الذكريات بالتغريدات.التصاق باسيل بـحزب الله سيظلّ مطبوعاً على جبهته، كتهمة أو كظل طويل لا يزول، حتى بعد عشرين أو ثلاثين سنة، كدليل على أنّ التحالف لم يكن مجرد تفاهم، بل مسار صنع السلطة والنفوذ على حساب الدولة والمبادئ ومستقبل الناس.

 

في السياسة، كما في التاريخ، تنهار المواقف المبنية على المصلحة حين يزول الربح. أما المبادئ، فإما أن تُدافع عنها حين تكون مكلفة، أو لا تكون مبادئ أصلاً. جبران باسيل لم يغيّر موقفه من حزب الله لأنّ الحزب خان الدولة، بل لأنّه لم يعد قادراً على خدمته. وهذا، مهما بُرِر، هو جوهر القصة. أما ما تبقى، فمجرد تغريدات لا تقدِّم ولا تؤخِّر.