مختار حارة حريك يحارب الغلاة

مختار حارة حريك يحارب الغلاة

  • ٢٧ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

مختار حارة حريك، بختمه الصغير، أعاد النقاش إلى أبسط حقائق الوجود: البشر يموتون. سواء وُلدوا في 1960 أو 1961، فالخاتمة واحدة.

ليس حدثاً إدارياً عابراً أن يوقّع مختار حارة حريك شهادة وفاة لرجل فوق العادة. ليست القضية في الختم ولا في السجل، بل في تلك الصدمة الصامتة التي تصيب من لا يزال يتوهم أنّ حسن نصرالله حيّ، وأنّ الغياب ليس إلا تفصيلاً تكتيكياً في مسار لا يعرف النهايةالوثيقة المتداولة تشير إلى أنّ أمين عام «حزب الله» الأسبق من مواليد 30 آب 1960، بينما يُكتب على ضريحه أنّ الولادة في 28 تشرين الثاني 1961. سنة تفصل بين تاريخين. قد يبدو الأمر تقنياً، لكنّه يكشف شيئاً أعمق: حين يتحول الرمز إلى أسطورة، تصبح الوقائع نفسها قابلة لإعادة الصياغة. الأرقام تتبدل، التواريخ تُعاد كتابتها، والسردية تُرتب بما يحمي الصورة من التشقق.

غير أنّ جوهر المسألة ليس في فارق سنة، بل في نهاية الأسطورة. بين من يرى القائد إنساناً، وبين من يراه أكبر من ذلك. هنا يبدأ الغلوّ. لا يبدأ بإعلان صريح عن الألوهية، بل يبدأ بخطوة صغيرة: رفض فكرة الموت. رفض أن يكون الجسد، أي جسد، محكوماً بالقانون ذاته الذي يحكم الجميع.

عرف تاريخ الإسلام لحظات بلغ فيها الحب حدّاً ألغى العقل. بعض الجماعات غالت في حبّ الإمام علي بن أبي طالب حتى نسبوا إليه صفات لا تليق إلا بالله. بعضهم قال إنّ الملاك جبرائيل قد أنزل آياته خطأً على إبن عمّه بدلاً منه، وغيرهم قالوا إنّ علي معصوم أو إنّه الله أو حتى أكثر من ذلك. لم يكن ذلك تعظيماً بريئاً، بل عجزاً عن رؤية الإمام بشراً عظيماً لا إلهاً. وحين أصرّ بعضهم على هذا الغلوّ، تذكر الروايات أنّ الإمام عاقبهم بأقسى العقوبات، حتى وصل الأمر إلى وأد من رفضوا التراجع عن تأليهه، لأنّ تحويل الإنسان إلى إله ليس تكريماً له، بل خيانة لرسالته. الإنسان الذي يُؤلَّه يُجرَّد من إنسانيته، ويُسجن في صورة لا تسمح له أن يكون بشراً.

الغلاة لا يحتملون الفناء. لأنّ الإعتراف بالموت يهدم البناء النفسي كله. فإذا كان القائد يموت، فهو، إذاً، بشر. وإذا كان بشراً، فهو يخطئ ويصيب. وإذا كان كذلك، تسقط الهالة المطلقة التي تحمي الأتباع من مواجهة الواقع. لذلك يولد الإنكار. يولد التأويل. يولد الإصرار على أنّ النهاية ليست نهاية، فيطلقون تصريحات كل أسبوع على «بودكاست» أو تلفزيون تقول أنّ نصرالله لم يمت أو إنّه عائد. لا أسهل من استبدال الموت بتأويل مريح: «لم يمت»، «غياب مؤقت»، «تغييب»، أو«غيبة كبرى...».

مختار حارة حريك، بختمه الصغير، أعاد النقاش إلى أبسط حقائق الوجود: البشر يموتون. سواء وُلدوا في 1960 أو 1961، فالخاتمة واحدة. لا ضريح يبدّل المصير، ولا حشود تؤجل التراب، ولا خطاب يستطيع أن يفاوض البيولوجيالكن المشكلة ليست في الموت ذاته، بل في ما بعده. ماذا يفعل من بنى هويته السياسية والنفسية على حضور رجل واحد؟ كيف يملأ الفراغ الذي يتركه غياب الرمز؟ هنا يظهر الامتحان الحقيقي: هل تستمر الفكرة من دون صاحبها، أم تنكشف هشاشتها لأنّها كانت متعلقة بالجسد لا بالمبدأ؟

الإعتراف بالموت لا ينتقص من قيمة أحد، بل يعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي. العظمة لا تحتاج إلى إنكار النهاية كي تثبت نفسها. أما الغلوّ، فهو خوف مقنّع بثوب الوفاء... خوف من مواجهة سؤال "ماذا بعد؟".

التاريخ علّمنا أنّ المجتمعات التي ترفض الإعتراف بفناء رموزها تبقى أسيرة مرحلة لا تنتهي. تعيش في انتظار دائم، في حالة تعليق بين زمنين. بينما المجتمعات التي تقبل الحقيقة، مهما كانت قاسية، تفتح باب التحوّل.

مختار حارة حريك لم يدخل معركة فكرية، لكنه، من حيث لا يدري، حارب الغلاة. ذكّرهم بأنّ الإنسان، مهما علت صورته في المخيلة، لا يخرج من قانون البشر. يولد، يعيش، يخطئ ويصيب، ثم يمضي... فيما الحياة تستمر من دون أن تكترث.