داريو اسكوبار.. بطل وادي قاديشا

داريو اسكوبار.. بطل وادي قاديشا

  • ١٩ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

رحل بالأمس الراهب الكولومبي داريو اسكوبار عن عمر ناهز الـ92 عاماً. عمر قضى بعضه في مسقط رأسه في ميديلين، أشهر مدينة لتجّار المخدرات في العالم، ثم في لعب كرة القدم، فالولايات المتحدة، ثم ناسكاً في وادي قاديشا، في لبنان.

في وادٍ لا يُشبه الجغرافيا بقدر ما يُشبه الذاكرة حين تتخذ شكل الحجر، تمتد قاديشا كأنّها طبقات متراكمة من زمن سحيق لم ينتهِ بعد. هناك، على تخوم بشرّي وواديها السحيق وأسراره الغامضة، لا تُروى الأمكنة بوصفها طبيعة صامتة، بل بوصفها أرشيفاً حيّاً لذاكرة الموارنة الذين لم يكتبوا تاريخهم على الورق فقط، بل حفروه في الصخر، وبين جذوع الجوز والأرز والبلوط، وفي الانسحاب البطيء الذي حوّل «العزلة الإضطرارية» إلى شكل من أشكال البقاء.

إلى هذا الامتداد الصخري الذي يحفظ الذاكرة كما يحفظ الكهنة أسرار الآلهة، وصل داريو اسكوبار عام 1990. لم يكن دخوله إلى الرهبانية اللبنانية المارونية ومن ثم إلى قاديشا حدثاً عابراً في سيرة رجل كولومبي جاء من عالم مفتوح على المدن المكتظة والرياضة ودراسة علم النفس، بل كان دخولاً إلى زمن مختلف تماماً. رجل غريب أتى بسؤال جد بسيط: أين يمكن للإنسان أن يخلع الضجيج عن نفسه حين لا يعود قادراً على الاحتمال؟

هكذا انتهى به المسار في قاديشا، إلى وادٍ لا يَعِدُ بشيء سوى الصمت وزمهرير الرياح الشتوية وعويل الضِباع في الليل. وفي قاديشا، لم يعد داريو غريباً بالمعنى الكامل للكلمة، لأن هذا الوادي اعتاد أن يستقبل الغرباء الذين يأتون من خارج ذاكرة المكان، ثم يتحولون تدريجياً إلى جزء منه، كأن الصخر نفسه يعيد كتابتهم على جماده.

لكن قاديشا ليست مجرد ملاذ فردي، بل ذاكرة جماعة كاملة. هنا حفظ الموارنة أنفسهم لا كحكاية دينية فقط، بل كتجربة تاريخية في مواجهة الإمبراطوريات والممالك. حين كانت السياسة تعيد رسم الحدود وتبدل الخرائط، كان هذا الوادي يعيد صياغة معنى البقاء نفسه. ليس عبر القوة، بل عبر الاستمرارية الصامتة، وعبر تحويل الحجر إلى أرشيف والانكفاء إلى شكل من أشكال السيادة غير المعلنة.

وفي قلب هذا الواقع، يبدو الوادي كأنّه يتكلم بصوته الخاص، أو كما جسّدته عبقرية الشاعر أنطوان مالك طوق، أفضل من فسّر معنى الوادي عن الموارنة أجمعين:

«هيدا الوادي بلا عمر

 في عمار ما بتنقاس

والوقت مارق عم بلم الناس

هيدا الوادي بلا عمر

هون إهلي تجمعو باقة زهر

ومافي وقت تا يمرق وتيباس

هون إهلي تجمعو وعملو القصر،

والمدرسة، والدير، والمتراس

بمغارة الما بيعرفا غير النِسر

هيدا الوادي بلا عمر

حط إدنك عالصخر

 يا بتسمع صوات الدهر

يا بتسمع القدّاس»

وفي هذا الصمت الممتد بين صخور، يراقب الوادي الداخلين إليه كما لو أنّه يختبر نواياهم قبل أن يمنحهم حق البقاء. قاديشا لا تستقبل الناس بسهولة، بل تمتصهم تدريجياً، حتى يصبح الغريب جزءاً من لغتها الحجرية وحفيف أشجار الوادي.

كان يمكن لداريو أن يبقى اسماً في سجلات الرياضة، أو صوتاً في عيادات النفس الحديثة، لكنه اختار أن ينسحب من كل ذلك بهدوء لا يشبه الانكسار، بل يشبه قراراً داخلياً بتصفية ضجيج العالم حتى آخر قطرة دم.

ومع ذلك، فإنّ وادي قاديشا لا يسمح لأي سيرة فردية أن تبقى منفصلة عنه، بل إنّ كل من يدخله يُعاد تشكيله داخل تاريخ الوادي الخاص. لذلك، لا يُقرأ وجود داريو هنا كحياة انتهت في عزلة، بل كامتداد لخط طويل من الذين اختاروا أن يتركوا عالم الضجيج كي ينجوا.

رهبان مرّوا، ناسك نجا من زمنه، حجارة حفظت صلوات لا تُقال، ريح تمرّ كأنّها تتفقد أسماء لم تعد تُنادى... في هذا المشهد، لا يبدو داريو طارئاً، بل واحداً من تلك الأسماء التي قبلها الوادي بصمت، وأبقاها في ذاكرته.

مع فناء جسده، لا يخرج داريو من قاديشا كقصة مكتملة، بل كعلامة إضافية على أنّ هذا الوادي لا ينتهي عند حدوده، بل يمتد في الذاكرة كما يمتد في جذور الأشجار. هناك لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بقدرة الإنسان على أن يصبح جزءاً من الصمت دون أن يضيع فيه.

هكذا يصبح داريو اسكوبار أكثر من ناسك مرّ من المكان، وأكثر من سيرة غريبة انتهت في عزلة جبلية. في منطق قاديشا، لا يُقاس الحضور بما يُنجَز أو يُقال، بل بما يتركه الإنسان من أثر خافت. ومن هذا المنظور تحديداً، لا يبدو داريو مجرد عابر في الوادي، بل أحد وجوهه الدائمة.

وفي سجل هذا الوادي، لن يُكتب اسم داريو كبطل بالمعنى التقليدي، بل كبطل من نوع آخر: بطل انتصر على ضجيج العالم وانتمى إلى المكان حتى صار جزءاً من ذاكرته، وبقي فيه كما تبقى قاديشا نفسها... شاهدة على كل من اختار الصمت طريقاً للخلاص.