أسطورة الصمود.. دس السم في التاريخ

أسطورة الصمود.. دس السم في التاريخ

  • ١٨ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

لبنان لم يُبنَ على تجربة واحدة، ولم يصمد بجماعة واحدة. هو تراكم صمودات، بعضها نجح وبعضها فشل، بعضها انتهى بمآسٍ وبعضها أنتج توازنات جديدة.

يُعاد تكرار سردية «الصمود الاستثنائي» في لبنان اليوم بوصفها حقيقة شبه مُسلَّم بها،لا تحتاج إلى تدقيق أو مراجعة. يُقال إنّ «حزب الله» والمجتمع الشيعي قدّما نموذجاً فريداً في مواجهة إسرائيل، نموذجاً يتجاوز ما سبقه، ويختصر تاريخاً طويلاً من المقاومة في هذا البلد في تجربة واحدة، كأنّ ما قبلها كان تمهيداً ناقصاً، أو فصولاً أقل شأناً في كتاب لم يكتمل إلا الآن.

لكن هذه السردية، حين تُفكك بروية، تبدو أقرب إلى اختزال مريح منها إلى قراءة تاريخية دقيقة. فلبنان، قبل أن يكون ساحة صراع حديثة، كان مختبراً قديماً لصيغ متعددة من الصمود، بعضها أطول زمناً، وبعضها أشد قسوة، ومعظمها جرى في ظروف أكثر عزلة وأقل ضجيجاً إعلامياً.

في جبل لبنان وشماله الوعِر، مثلاً، لم يكن صمود الموارنة بين القرن السابع وبداية القرن الرابع عشر مجرد تفصيل تاريخي عابر. كان مساراً كاملاً من المواجهة مع سلطات متعاقبة: أموية وعباسية ثم مملوكية، وانتهى بحملة كسروان عام ١٣٠٥  التي كسرت ما كان يُشبه كياناً شبه مستقل في الجبال. هناك، لم تكن «المقاومة» خطاباً سياسياً ولا مشروعاً عسكرياً منظماً، بل نمط حياة قائم على الاحتمال، وعلى التكيّف مع القهر، وعلى إعادة إنتاج الذات في وجه محاولات الإلغاء.

في مكان آخر من الجغرافيا ذاتها، وعلى خط زمني مختلف، خاض الدروز تجربتهم الخاصة. جماعة خرجت من مصر بعد موت (أو غياب حسب المعتقد الدرزي) الخليفة الفاطمية الحاكم بأمر الله، وتوزعت بين لبنان وفلسطين وسوريا، لتبني وجودها في الجبال لا بالقوة وحدها، بل بما يمكن تسميته «دهاء البقاء». لم يكن الصمود هنا مواجهة مباشرة دائماً، بل مزيجاً من الحكمة والمرونة والقدرة على قراءة موازين القوى. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار أقل شجاعة، بل ربما أكثر تعقيداً من سرديات البطولة الصافية التي يرويها إعلام «حزب الله» وثلة الأنصار المتحلقة حوله.

ثم يأتي التاريخ الحديث ليضيف فصلاً آخر لا يقل دلالة. في زحلة، بين عامي 1980 و1981، لم يكن المشهد مجرد معركة عسكرية تقليدية. مدينة محاصرة، وإمكانات محدودة، ومواجهة مفتوحة مع الجيش السوري بكل ثقله. ومع ذلك، صمدت زحلة، لا بوصفها حالة شاذة، بل كواقعة ميدانية فرضت نفسها على ميزان القوى، وكسرت صورة الجيش الذي لا يُهزم في ذلك الوقت. لم يكن هناك ادعاء بالاستثناء من قبل رجال زحلة، ولا محاولة لاحتكار البطولة، بل واقعة صمود واضحة، مكتفية بذاتها.

ما يجمع هذه التجارب، على تباعدها الزمني والطائفي، هو أنّها لم تُقدَّم يوماً باعتبارها «النموذج الأوحد». لم يقل الموارنة إنّهم وحدهم صمدوا، ولم يدّعِ الدروز أنّهم احتكروا البقاء، ولم تُحوّل زحلة تجربتها إلى معيار يقاس عليه كل شيء. كان الصمود، ببساطة، جزءاً من تاريخ جماعات متعددة، لا ملكية خاصة لطائفة بعينها.

من هنا، تبدو محاولة رفع صمود أهل الجنوب اليوم إلى مرتبة التفوق المطلق، وكأنّه يتجاوز كل ما سبقه، محاولة إشكالية أكثر منها توصيفاً واقعياً. ليس لأنّ هذا الصمود غير موجود أو غير مهم، بل لأنّه ليس وحيداً، ولا استثنائياً بالمعنى الذي يُراد له أن يكون.

فالاستثناء، حين يُستخدم بهذه الكثافة، يتحول إلى أداة إلغاء. وحين يُقال إنّ تجربة واحدة هي الأهم، يُفهم ضمناً أنّ ما عداها أقل قيمة. وهنا تحديداً تكمن المشكلة في تحويل تاريخ غني ومتعدد إلى سردية أحادية، وفي اختزال لبنان، بكل تناقضاته وتجارب جماعاته، في نموذج واحد يُطلب من الجميع الاعتراف بتفوقه.

لبنان لم يُبنَ على تجربة واحدة، ولم يصمد بجماعة واحدة. هو تراكم صمودات، بعضها نجح وبعضها فشل، بعضها انتهى بمآسٍ وبعضها أنتج توازنات جديدة. لكن ما لم يحدث في أي مرحلة من تاريخه، هو أن نجحت جماعة في إقناع الآخرين بأنّ صمودها يلغي صمودهم.

لذلك، فإنّ الإصرار على تقديم تجربة الجنوب وشيعته اليوم كذروة لا تُضاهى، لا يقول الكثير عن التاريخ بقدر ما يكشف عن حاجة سياسية آنية لإعادة صياغته. وكأنّ المطلوب ليس فقط تثبيت واقع حاضر، بل إعادة ترتيب الماضي نفسه ليخدم هذا الواقع.

وفي بلد مثل لبنان، هذه ليست قراءة للتاريخ، بل كتابة جديدة له، بشروط اللحظة، لا بحقائق الزمن. و «حزب الله»، حين يأسطِر صموده، إنّما يدس السّم في تاريخ لبنان وجماعاته. وإن كنّا نحترم صمود أهل الجنوب، إلا أنّه، بميزان التاريخ اللبناني، مجرد صمود عادي، لا يرقى لأن يختزل أي صمود آخر.. ولا أي هوية وطنية.