لماذا لم تدق ساعةَ مَجد "القوات اللبنانية" في نهاية المطاف؟
بقلم نعمة الله إده - مترجماً عن جريدة l'orient le jour
حجب ظهور جوزف عون الحزب المسيحي، ومواقف المملكة العربية السعودية قيّدتهُ، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يتجاوزه "يمين جديد" صاعد.
كان يمكن أن تشكّل هذه اللحظة ذروة الانتصار السياسي للقوات اللبنانية، فالدولة اللبنانية باتت تصنّف سلاح حزب الله رسمياً أداة "غير شرعية"، وقطعت حبال السرة مع إيران، وتتجه صوب التقارب مع الدول العربية والغربية، فضلاً عن خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وخلاصة القول، إن الخط السياسي للقوات اللبنانية، الذي لطالما اعتُبر مثيراً لانقسامات، يبدو اليوم محل إجماع واسع.
بالرغم من ذلك، يبدو الحزب المسيحي متراجعاً ومتوارياً عن الأنظار في هذه المحطة التاريخية، ولعلّ خير دليل على ذلك إقصاء وزير الخارجية، جو رجّي، عن كواليس المحادثات المباشرة مع إسرائيل، والتي يستأثر بقيادتها شبه الكاملة رئيس الدولة جوزف عون، وإن كان ذلك بغطاء ودعم معلنين من الوزير نفسه. وفي حين يتصدر رئيس الدولة المشهد بحديث يومي، يبدو رئيس القوات اللبنانية، سمير جعجع، أكثر انكفاءً وتحفظاً على الساحة الإعلامية خلال الأسابيع الأخيرة. وزاد الطين بلّة، أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تكبّلان مواقف الحزب المسيحي، برفضهما مباركة أي تقارب حقيقي وفوري بين بيروت وتل أبيب. والنتيجة: قد يتجاوز أطراف أكثر راديكالية وتأييداً للتطبيع القوات اللبنانية من جهة "يمينها".
«كان يجب أن يكون رجّي أكثر انخراطاً»
تُفسر أوساط الحزب المسيحي هذا الانكفاء الملحوظ اليوم، على أنه مجرد التزام تام بسياسة رئيس الدولة الذي يمسك بزمام المحادثات المباشرة مع تل أبيب. في هذا السياق، يقول شارل جبور، المتحدث باسم القوات اللبنانية: "نحن ندعم موقف الرئيس، لقد كسر تابو المفاوضات مع إسرائيل، ووضع حداً للأنشطة العسكرية لحزب الله". ويندرج هذا الموقف ضمن التكتيك المعهود للقائد المسيحي، الذي لطالما فضّل مراقبة تآكل خصومه بصمتٍ ومن بعيد، تاركاً إياهم يدفعون أثمان خياراتهم السياسية، وهذه استراتيجية مكّنته من حسم المعركة بوضوح ضد منافسه "التيار الوطني الحر" برئاسة جبران باسيل، الذي تهاوت قاعدته الانتخابية تحت وطأة تحالفه مع حزب الله.
على هذا المنوال، آثر سمير جعجع الصمت عقب اغتيال إسرائيل للأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في أيلول 2024. ويعلق مايكل يونغ، المحلل السياسي ورئيس تحرير مدونة "ديوان" التابعة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط (Malcolm H. Kerr Carnegie MEC)، بالقول: "إن جعجع يتحدث أقل، لأنه ببساطة لم يعد بحاجة إلى كثرة الكلام، إذ تبدد وهج الصراع لديه بعدما حقق هاجسه المزمن بأن يصبح القائد الأوحد للطائفة المسيحية".
إلا أن المقاربة تأخذ منحى آخر مع تنامي شعبية الرئيس جوزف عون، الذي بات يمثل تهديداً حقيقياً لمساحة النفوذ القواتية، باعتبار انه يطرح نفسه كالفاعل الوحيد القادر على جمع الشتات اللبناني. ورغم تأكيد الأوساط المحيطة برئيس الدولة أنه لا يطمح إلى تأسيس كتلة برلمانية، فإنّ الحسابات السياسية قد تتبدل، خصوصاً في ظل تمدد دوره المحوري وغياب أي عقبة تحول دون استقطابه حلفاء جدداً، وتحديداً من قدامى "التيار الوطني الحر"، والمستقلين، وحتى من ضفة حزب الكتائب اللبنانية.
المفارقة تكمن في أن القوات اللبنانية قدمت جوزف عون (في اللحظات الأخيرة) على أنه مرشحها الرسمي لرئاسة الجمهورية. وبناءً عليه، كان المفترض أن تصطبغ الولاية الجديدة ببصمة (القوّاتيّين) السياسية، لا سيما وأنهم يحظون بكتلة وازنة في البرلمان وبتثبيت حضورهم في الحكومة، لكن الوقائع تشير إلى أن القوات لا تمارس نفوذاً حقيقياً في مطبخ القرار.
فرئيس الدولة، المتسلّح بثقة المجتمع الدولي وغالبية اللبنانيين، يدير ملفات السيادة الكبرى بالتنسيق مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وفي مقدمها ملفّا احتكار السلاح والمفاوضات مع إسرائيل. بذلك، تلاشت الهوامش التي كان يمكن للقوات اللبنانية المناورة فيها عقب اندلاع الحرب، بعدما تبنى الرئيس عون خطاً راديكالياً حازماً تجاه حزب الله، بعد طول اتهام له بالتراخي والمسايرة. فضلاً عن ذلك فإن الحشد الذي قاده سمير جعجع في معراب منتصف آذار الماضي، والذي جمع أقطاباً مناهضين للحالة الشيعية للمطالبة بلهجة أكثر حدة ضد الميليشيا، لم يأتِ بالنتائج المرجوة ولم يغير في التوازنات شيئاً.
"كنا نتوقع انخراطاً أوسع لرجال الدبلوماسية في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لكن هذا الخيار يعود للرئيس وحده"، هكذا يبدي مصدر قريب من القوات اللبنانية أسفه. ووفقاً لمعطيات دبلوماسية، فإن علاقة الوزير رجّي بالسفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة، لا تتخطى الإطار "التراتبي والإداري"، بالرغم من دورها الجوهري في قنوات التفاوض، إذ تظل مرجعيتها الأساسية متمثلة في شخص جوزف عون، تماماً كحال السفير سيمون كرم التي يتولى إدارة الفريق اللبناني المفاوض.
وتشي المؤشرات بوجود قنوات اتصال متوترة بين قصر بعبدا وقصر بسترس (وزارة الخارجية)، فبحسب مصدر حكومي، شعر الرئيس بأن جو رجّي "استدرجَهُ" مرتين: الأولى حين أعلن السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه، والثانية عندما رفع شكوى ضد طهران في مجلس الأمن الدولي، قبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء واصفاً الشكوى بأنها مجرد "رسالة". بالرغم من ذلك، يصرّ الوزير على تثبيت حضوره، إذ أمضى أسبوعه في باريس مدافعاً عن خيار المفاوضات المباشرة مع تل أبيب.
تجاوُز اللوبي اللبناني في واشنطن للحزب
لم يكن صعود نجم الرئيس جوزف عون الإطار الوحيد الذي يقلّص هامش المناورة في خيارات القوات اللبنانية، بل إن السقوف التي وضعتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أرغمت الحزب على الانحراف عن خطابه التاريخي الحاد. فبعدما جاهر جعجع برغبته في ترتيب لقاء يجمع الرئيس عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عاد بعد أيام قليلة ليعلن أن "السيناريو الأمثل يمر حتماً عبر التنسيق مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية لتحديد التوقيت الملائم لسلام مع إسرائيل". يأتي هذا التراجع بالرغم من أن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة "المعلومات الدولية" أظهر تأييد 72% من الشارع المسيحي لخطوة اللقاء المباشر. ويشرح مايكل يونغ هذه المفارقة بالقول: "أدرك سمير جعجع أن المملكة العربية السعودية، ومعها تركيا وقطر ومصر وباكستان، لا تريد سلاماً لبنانياً-إسرائيلياً منفصلاً، فهذه الدول مستعدة لتغطية ترتيبات أمنية، لكنها ترفض تغطية توقيع معاهدة سلام قد تؤدي إلى إضعاف الشروط الإقليمية التي وضعتها تلك الدول نفسها للتفاوض مع إسرائيل".
في ظل هذه التوازنات المقيّدة، تواجه القوات اللبنانية خطر أن يتجاوزها "يمين جديد" صاعد، يدفعه اللوبي اللبناني في واشنطن والمعروف بتوجهاته الصريحة المؤيدة لإسرائيل. "إنهم يذهبون إلى سقوف يعجز الحزب عن بلوغها لأنهم متحررون من الحسابات والحساسيات المحلية، فهذا اللوبي يتحدث بجرأة وعلانية عن السلام"، وفق ما يقرّ به مصدر قريب من القوات اللبنانية. ورغم أن هذا التيار لم يتبلور في إطار تنظيمي أو سياسي محلي بعد، إلا أنه يطرح أدبيات قد تجد صدى جاذباً لدى شرائح من القاعدة الشعبية للحزب.
أمام هذا المشهد، ترفع النائبة المستقلة بولا يعقوبيان صوت التحذير قائلة: "إن كل من يحاول الالتفاف على مؤسسات الدولة وعقد لقاءات جانبية مع ممثلين إسرائيليين، كما يفعل اللوبي اللبناني في واشنطن، إنما يساهم في تقويض الموقف الرسمي اللبناني وإضعافه. يتوجب على الجميع الاصطفاف خلف الدولة لتمكينها من انتزاع أفضل الشروط الممكنة لمصلحة لبنان". وترى يعقوبيان أن تحركات هذا اللوبي "تفرمل جهود الدولة اللبنانية، التي تحاول جاهدة الموازنة بين حتمية الوصول إلى ترتيبات أمنية تحمي البلاد مع إسرائيل، وبين عداء شريحة واسعة من اللبنانيين لأي شكل من التطبيع".
