نواف سلام «على حق».. وللحكومة «رئيس واحد»

نواف سلام «على حق».. وللحكومة «رئيس واحد»

  • ١٢ آب ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

) للجيش دوره، ولوزير الدفاع دوره، ولمجلس النواب دوره... لكن للحكومة أيضاً دورها، ولرئيس الحكومة صلاحياته التي لا يجب أن يصادرها أحد.

ads

 

ليس سهلاً أن يكون المرء رئيساً للحكومة في لبنان. المنصب يبدو كبيراً في الشكل، لكنه في الممارسة محاط بالكثير من القيود السياسية والطائفية والحزبية، التي جعلت رؤساء الحكومات في أوقات كثيرة أسرى للتوازنات أكثر مما كانوا أصحاب قرار.

لذلك، فإنّ ما حصل بالأمس بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى ليس مجرد سجال عابر بين رئيس ووزير. المسألة، في جوهرها، تتعلق بموقع رئيس الحكومة نفسه، وبما إذا كان لا يزال يملك أن يكون رئيساً فعلياً للحكومة، أم أنّ عليه أن يتقاسم صلاحياته مع كل من يملك نفوذاً أو حيثية أو رأياً.

وفي هذه المسألة تحديداً، كان نواف سلام على حق. والأهم أنّه حقق مراده.

من حق وزير الدفاع أن يعترض، وأن يبدي رأيه، وأن يدافع عن موقف المؤسسة العسكرية، وأن ينقل هواجس عائلات شهداء الجيش اللبناني، خصوصاً في ملف حساس كالعفو العام وإلغاء عقوبة الإعدام. ومن حقه أن يعتبر أنّ لهذه القضايا انعكاسات مباشرة على المؤسسة التي يتولاها. لكن من حق نواف سلام، بل من واجبه، أن يقول إنّ الحكومة لها رئيس واحد، «لا 24 رئيساً».

فصلاحيات رئيس الحكومة ليست منحة من الأحزاب، ولا امتيازاً يمنحه له الوزراء، ولا نتيجة لتوازن سياسي مؤقت. إنّها صلاحيات دستورية كرّسها الدستور بعد «اتفاق الطائف»، وأعاد من خلالها تنظيم السلطة التنفيذية، فجعل مجلس الوزراء السلطة التي تناط بها السلطة التنفيذية، ومنح رئيس مجلس الوزراء موقعاً واضحاً في رئاسة الحكومة وتمثيلها وإدارة عملها.

رئيس الحكومة ليس مجرد منسق لجلسات مجلس الوزراء، ولا وزيراً أول بين وزراء متساوين. هو رئيس السلطة التنفيذية، ويتحمل المسؤولية السياسية عن عمل الحكومة. وبالتالي، عندما يكون هناك موقف حكومي يراد التعبير عنه أمام مجلس النواب، فمن الطبيعي أن تكون الكلمة لرئيسها.

فلبنان عانى طويلاً من حكومات يكون فيها رئيس الحكومة موجوداً في السراي، فيما القرار الحقيقي موزع في أماكن أخرى. وزير يتحدث باسم طائفته، وآخر باسم حزبه، وثالث باسم منطقته، ورابع باسم مؤسسة أو جهة سياسية، وفي النهاية يصبح رئيس الحكومة مطالباً بجمع هذه المواقف المتناقضة، أكثر من كونه قادراً على اتخاذ القرار.

ربما يكون نواف سلام اليوم أقوى رئيس حكومة في السنوات الأخيرة، ليس لأنّه يملك حزباً كبيراً أو كتلة نيابية ضخمة، بل لأنّه يحاول أن يستعيد شيئاً فقده هذا المنصب منذ وقت طويل: الهيبة الدستورية والسياسية.

وهذه الهيبة لا تعني التسلط، ولا تعني إلغاء دور الوزراء، ولا التقليل من شأن الجيش أو أي مؤسسة أخرى. تعني فقط أن يعرف كل طرف حدود صلاحياته.

للجيش دوره، ولوزير الدفاع دوره، ولمجلس النواب دوره... لكن للحكومة أيضاً دورها، ولرئيس الحكومة صلاحياته التي لا يجب أن يصادرها أحد.

ولعل بدعة «رأي المؤسسة العسكرية» المنتشرة مؤخراً في وسائل الإعلام والفضاء السياسي اللبناني تحتاج إلى شيء من الدقة والتصويب. يمكن للمؤسسة العسكرية أن تقدم رأياً أو تقديراً أو تحذيراً، وهذا طبيعي، لكن التشريع في النهاية شأن مجلس النواب، والموقف الحكومي تعبّر عنه الحكومة وفق آلياتها الدستورية.

أما أن يصبح للجيش موقف سياسي وتشريعي يُراد فرضه على السلطة السياسية، فهذه مسألة مختلفة تماماً. في الدولة، لكل مؤسسة حدودها، وأحد أهم وجوه قوة الجيش أن يبقى ملتزماً بالمؤسسات الدستورية التي تحكم البلاد.

للأسف، تحتاج أبسط قواعد السياسة إلى من يدافع عنها في لبنان. قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه في لبنان ليس بسيطاً أبداً.

أما المطلوب من رئيس الحكومة اليوم فليس أن ينتصر على وزير الدفاع، ولا أن ينتصر على الأحزاب، ولا أن يدخل في معارك مع أحد. المطلوب فقط أن ينتصر للدستور. وما فعله بالأمس كان، في جوهره، انتصاراً لهذا المعنى.

نواف سلام، في ما فعله بالأمس، كان على حق.

ads
ads