دفاعاً عن معاشات النواب والـ٥٠٠٠ دولار
دفاعاً عن معاشات النواب والـ٥٠٠٠ دولار
إذا كان يعمل، فـ ٥٠٠٠ دولار قليلة. وإذا كان لا يعمل، فحتى ال٥٠٠ دولار كثيرة عليه. المشكلة، إذاً، ليست في الراتب. المشكلة في النائب.
كلما ارتفع الحديث عن زيادة معاشات نواب البرلمان اللبناني، حتى يبدأ أصحاب المثاليات بترداد العبارة الببغائية نفسها: «وظيفة النائب هي التشريع والرقابة». وكأنّ النائب يعيش داخل كتاب الدستور، يدخل مجلس النواب صباحاً، يشرّع ويراقب، ثم يغادر عند انتهاء الدوام الرسمي.
هذا الكلام صحيح نظرياً، لكنه لا علاقة له كثيراً بالواقع اللبناني.
النائب، في لبنان، ليس مشرّعاً ورقيباً فقط. هو، بحكم الأمر الواقع، ابن منطقته ومرجعها السياسي والاجتماعي، وعليه أن يعزّي ويهنئ، يزور ويستقبل، يحضر الأعراس والمآتم والعمادات وحفلات الطهور، يرسل أكاليل الزهور، يفتح مكتبه وبيته، يتابع مشاكل الناس، ويستقبل يومياً من يطرقون بابه بحثاً عن خدمة أو مساعدة أو واسطة أو حتى مجرد استماع.
وفوق ذلك، هناك مكتب وسكرتيرة ومساعدون ومرافقون، ومصاريف تنقل واتصالات واستقبالات، وتنقل دائم بين المنطقة ومجلس النواب. يكفي أن تحسب كم مرة ينتقل النائب من قريته أو مدينته إلى بيروت، وكم ساعة يقضيها على الطرقات، لتدرك أنّ النيابة ليست وظيفة مكتبية من التاسعة إلى الخامسة.
قد يقول قائل إنّ هذه الأمور ليست من صلب وظيفة النائب. صحيح. لكن إذا كان المجتمع نفسه قد جعل النائب مسؤولاً عن كل هذه التفاصيل، فلا يمكن أن نحاسبه مالياً وكأنّه مجرد مشرّع يجلس في البرلمان.
ثم، فلنكن صريحين، الزيادة على مرتبات النواب التي أقرت مؤخراً وجعلتها ٥٠٠٠ دولار ليست ثروة بالنسبة إلى نائب، بل قد تكون قليلة جداً أمام كلفة العمل السياسي والنيابي في لبنان. دعونا لا ننسى أنّ بعض النواب اغتيلوا. دفعوا ثمن مواقفهم حياتهم، فما هي الحياة أمام٥٠٠٠ دولار؟!
المشكلة ليست في أن يتقاضى النائب راتباً محترماً. المشكلة أن نحاسبه على راتبه فقط، ولا نحاسبه على أدائه.
بأس بزيادة معاش النائب، بل مع زيادته إلى أكثر من ٥٠٠٠ دولار، إذا كان ذلك يرافقه نظام واضح للشفافية والمحاسبة، ويجعل العمل النيابي وظيفة محترفة لا باباً للبحث عن مصادر تمويل أخرى. لا نحتاج إلى نائب فقير حتى نشعر أنّ الدولة عادلة، بل نحتاج إلى نائب محترف ومستقل وقابل للمحاسبة. لذلك، بدلاً من السؤال: لماذا يأخذ النائب٥٠٠٠ دولار؟، فلنسأل السؤال الأصح: ماذا يفعل النائب مقابلها؟
إذا كان يعمل، فـ٥٠٠٠ دولار قليلة. وإذا كان لا يعمل، فحتى ال٥٠٠ دولار كثيرة عليه. المشكلة، إذاً، ليست في الراتب. المشكلة في النائب.

