المتشددون ينتصرون في إيران .. ومن يصمد أكثر؟
المتشددون ينتصرون في إيران .. ومن يصمد أكثر؟
المواجهة تنتقل تدريجياً من حرب القوة إلى حرب القدرة على التحمل.
لم تعد التحولات داخل القيادة الإيرانية مجرد تبديلات إدارية أو عسكرية عادية، بل بدأت ترسم صورة أكثر وضوحاً عن الاتجاه الذي تسلكه طهران في المرحلة المقبلة. فمع استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن التيار المتشدد داخل النظام الإيراني هو الذي يربح المعركة الداخلية، وأنّ الأصوات الداعية إلى تقديم تنازلات أو الوصول سريعاً إلى تسوية مع واشنطن تتراجع أمام صعود رجال الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية إلى أهم مواقع القرار.
أبرز هذه التحولات جاء مع تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد الأعلى داخله. رضائي ليس شخصية سياسية عادية، بل أحد أبرز رجال الحرس الثوري التاريخيين، وقد قاد الحرس بين عامي ١٩٨١ و١٩٩٧، أي خلال الجزء الأكبر من الحرب العراقية الإيرانية. أما الموقع الذي تسلمه اليوم فهو من أكثر المواقع حساسية في الجمهورية الإسلامية، لأنّ المجلس الأعلى للأمن القومي يقع في قلب صناعة القرارات المتعلقة بالدفاع والأمن والسياسة الخارجية، وتزداد أهميته بصورة استثنائية في زمن الحرب والمواجهة والمفاوضات مع واشنطن.
أما الاسم الثاني فهو اللواء علي عبداللهي، أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين، والذي عُيّن رئيساً لهيئة الأركان للقوات المسلحة الإيرانية، في واحد من أهم المواقع العسكرية داخل الجمهورية الإسلامية. عبداللهي ليس ضابطاً عادياً، بل أحد رجال المؤسسة العسكرية الأكثر خبرة، وقد تولى سابقاً قيادة مقر خاتم الأنبياء المركزي، غرفة العمليات المسؤولة عن تنسيق العمليات المشتركة بين مختلف أفرع القوات المسلحة الإيرانية. انتقاله اليوم إلى رئاسة هيئة الأركان يضعه في قلب القيادة العسكرية العليا ويمنحه دوراً أساسياً في تنسيق القوات ورسم التوجهات العسكرية الإيرانية. وتعيين شخصية قادمة من قلب إدارة العمليات والمواجهة في هذا الموقع الحساس يعزز أكثر نفوذ الجناح المتشدد، ويوجه رسالة بأن طهران، في هذه المرحلة، تختار رجال المواجهة لا رجال التسوية.
تعيين رجلين من هذا النوع في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن الرسالة السياسية التي تريد طهران إيصالها. إيران لا تبدو وكأنّها تستعد للتراجع، ولا تبدو قيادتها وكأنّها تبني فريقاً مهمته الوصول إلى اتفاق سريع مع الأميركيين. على العكس، الصعود المتواصل للشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري ومنطق المواجهة يوحي بأن القيادة الإيرانية تتحضر لمرحلة طويلة من الضغط والصمود.
وهنا يعود مضيق هرمز إلى قلب المعركة. فبالنسبة إلى طهران، بقاء المضيق شبه معطل يشكل واحدة من أقوى أوراق الضغط التي تملكها في مواجهة الولايات المتحدة. وإذا كانت واشنطن قادرة على خنق جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية وحرمان طهران من أهم مصادر العملة الصعبة، فإنّ إيران قادرة في المقابل على جعل مرور الطاقة عبر أهم ممر نفطي في العالم أكثر صعوبة وكلفة.
مصدر دبلوماسي غربي يقول إنّ المفارقة اليوم تكمن في أنّ إيران تتصرف بعناد شديد وترفض تقديم التنازلات المطلوبة منها، فيما يبدو دونالد ترامب متردداً في الذهاب نحو ضربة عسكرية جديدة وواسعة ضد إيران.
وهنا تنتقل المواجهة تدريجياً من حرب القوة إلى حرب القدرة على التحمل.
السؤال لم يعد فقط ماذا ستفعل واشنطن وماذا ستفعل طهران، بل من يستطيع تحمل الكلفة لفترة أطول؟
هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل مضيق هرمز شبه المعطل وما يرافق ذلك من ضغط على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي لفترة أطول مما يستطيع الحرس الثوري تحمل حصار يخنق صادرات النفط الإيرانية ويستنزف اقتصاد الجمهورية الإسلامية؟
طهران تراهن على أنّ الوقت سيضغط على ترامب قبل أن يخنقها الحصار، فيما تراهن واشنطن على أنّ الاقتصاد الإيراني سيصل إلى نقطة الاختناق قبل أن تضطر الولايات المتحدة إلى تغيير حساباتها.
المتشددون يتقدمون في طهران، والتعيينات الجديدة تؤكد أنّ إيران اختارت حتى الآن الصمود بدلاً من التراجع.
لذلك قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة من سيضرب أولاً، بل من سيتعب أولاً. ومن سيصمد أكثر؟

