من حسن نصرالله إلى نعيم قاسم .. كيسنجر وموشي يائير في حرب روايات التضليل
من حسن نصرالله إلى نعيم قاسم .. كيسنجر وموشي يائير في حرب روايات التضليل
حسن نصرالله كان يقرأ الصحافة الإسرائيلية. لكن ماذا لو أنّ بعض ما يقرأه كان يُكتب له تحديداً كي يصدّقه؟
المسألة هنا ليست مجرد قصة وهمية، بل وقائع تكشف كيف يمكن للمعلومة أن تتحول إلى سلاح، وكيف يمكن للعدو أن يتدخل في وعي خصمه من دون أن يطلق رصاصة واحدة.
أظهرت دراسات تناولت عمل استخبارات حزب الله أنّ حسن نصرالله اعتمد، بعد حرب تموز٢٠٠٦، على المصادر المفتوحة والإعلام الإسرائيلي لرصد قرارات الجيش والحكومة وفهم المزاج داخل المجتمع الإسرائيلي. كان يستخدم هذه المعلومات لفهم عدوه بصورة أعمق، إلى أن أدركت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذه الثغرة وطوّرت في مواجهتها مفهوماً أسمته «حرب الوعي» فالحرب لا تدور دائماً في الميدان، أحياناً يكون عقل العدو هو الميدان.
وعلى هذه القاعدة، نشأ مطبخ إعلامي خاص يدير أخباراً تستهدف حزب الله، بهدف التأثير في إدراكه للواقع ودفعه إلى اتخاذ قرارات بناء على الصورة التي تريد إسرائيل أن توهمه بها.
ومرّت سنوات قبل أن يكتشف الحزب عملية التضليل هذه.
لكن يبدو أنّ الحزب لم يتعلّم بما يكفي من تجارب التضليل التي وقع فيه في السابق. على سبيل المثال هناك حادثة أوردها الصحافي إيلي الحاج على حسابه على فايسبوك تقول: كان حسن نصرالله قد قرر مواجهة خصومه في لبنان بالحجة والبرهان. فقرأ رسالة نُسبت إلى هنري كيسنجر وموجّهة إلى العميد ريمون إده، نشرتها مجلة «الحوادث» عام ١٩٧٦.
الرسالة، بحسب ما ورد فيها، أنّ الولايات المتحدة قررت التضحية بلبنان لأنّه دولة ضعيفة، وإنّ ما يهم سياستها الخارجية هو إسرائيل ومصالحها في المنطقة.
لقد وجد نصرالله في الرسالة ما اعتبره دليلاً حاسماً، قائلاً: «شو بدكن اعتراف أكبر وأوضح من هيك؟».
لكن في اليوم التالي، أعلن كاتبها الصحافي سليم نصّار أنّ الرسالة كانت من نسج خياله.
كتبها لأنّ إده كان قد وجّه رسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية الأميركي كيسنجر نشرتها «النهار»، ولم يتلقَّ رداً. فخطرت لنصّار فكرة أن يكتب الرد بنفسه على لسان كيسنجر، وينشره في «الحوادث».
لم تكن المشكلة يومها في غياب المعلومات، بل في غياب التحقق منها. وهذه هي النقطة التي تبدو أكثر أهمية عند قراءة ما حدث لاحقاً. فأجهزة الحزب وقيادته وفق هذه الوقائع، بدت غير قادرة على استخلاص الدرس الكافي من تجارب التضليل السابقة. ومع التطور التكنولوجي والاستخباراتي، لم يعد الخداع يقتصر على خبر أو وثيقة مفبركة، بل أصبح قادراً على بناء واقع كامل يبدو حقيقياً.
في عام ٢٠٢٤، شهد حزب الله واحدة من أكثر عمليات الخداع تعقيداً في تاريخه: أجهزة البيجر
لم تكتفِ إسرائيل بزرع متفجرات داخل أجهزة البيجر، بل بنت حول المنتج منظومة كاملة من الخداع: شركة، ومنتج، ومواقع إلكترونية، وشخصيات، وتاريخ رقمي. وبذلك وضع الحزب ثقته بالمنتج فاجتاز التدقيق الأمني.
كانت تلك العملية الضربة الأقسى والأشد إيلاماً لحزب الله، ولنصرالله بشكل خاص. واليوم يعود «موشي يائير» إلى مشهد التضليل، لكن هذه المرة في خطاب نعيم قاسم.
شخصية لا أثر لها، ولا أثر للمقال في «يديعوت أحرونوت» الذي اقتبس منه قاسم، ومع ذلك تحولت إلى مرجع استُخدم لرفع معنويات البيئة الشيعية وتقوية حجة الحزب.
والأكثر دلالة أنّ المعلومة لم تصل إلى الأمين العام عبر عملية استخباراتية إسرائيلية معقدة، بل عبر جهازه الإعلامي الذي تبنّى خبراً منشوراً في مجموعة إخبارية على واتساب.
في السابق، كان الموساد يجتهد لتضليل حزب الله. أما اليوم، فلم يعد يحتاج إلى بذل الجهد نفسه، إذا كان الحزب قادراً على نقل المعلومة من دون التحقق من مصدرها، ثم تحويلها إلى خطاب وموقف و«حقيقة» سياسية.
في حرب الوعي، أخطر ما يمكن أن يحدث للخصم ليس أن تُخفى عنه الحقيقة، بل أن يُقدَّم له الوهم في صورة الحقيقة. وعندما يفقد جهاز المعلومات قدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما صُمم كي يبدو حقيقياً، يصبح تضليل العدو أقل كلفة بكثير.
وربما هنا تكمن المفارقة ؛ لم يعد السؤال ما إذا كان الموساد قادراً على تضليل حزب الله، بل ما إذا كان حزب الله قد أصبح قادراً على القيام بالمهمة نيابة عنه.

