الطعن بصلاحيات رئيس الجمهورية أم الطعن بالدستور نفسه؟

الطعن بصلاحيات رئيس الجمهورية أم الطعن بالدستور نفسه؟

  • ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

 

ثمة ما يثير الريبة، بل ما يستدعي التوقف مليّاً، في الحملة التي يشنّها البعض على ممارسة رئيس الجمهورية صلاحية دستورية صريحة، تتمثّل في مراجعة المجلس الدستوري للطعن في دستورية قانون أو بعض أحكامه. فالاعتراض على مضمون المراجعة أمر مشروع، ومناقشة حججها القانونية حق مكفول، أما تحويل ممارسة الصلاحية الدستورية بحدّ ذاتها إلى موضع اتهام سياسي، فهو مسألة مختلفة تماماً، تتجاوز حدود الاختلاف في الرأي لتطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل باتت صلاحيات رئيس الجمهورية مقبولة فقط عندما لا تتعارض مع مصالح بعض القوى السياسية وتوجّهاتها؟

إن حق رئيس الجمهورية في مراجعة المجلس الدستوري ليس منحة، ولا امتيازاً يخضع لموافقة مجلس النواب، ولا صلاحية مستعارة من أي مرجعية سياسية. إنه حق أصيل كرّسه الدستور، شأنه في ذلك شأن سائر الصلاحيات التي أسندها إلى السلطات الدستورية المختلفة.

ليست المسألة هنا دفاعاً عن شخص الرئيس، بل دفاعاً عن موقع الرئاسة وعن انتظام المؤسسات الدستورية. فرئيس الجمهورية، الذي أقسم على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان وسلامة أراضيه، لا يمكن أن يُطلب منه أن يكون مؤتمناً على الدستور، ثم يُلام عندما يلجأ إلى الآلية التي أتاحها له الدستور للتحقق من سلامة التشريع.

والأكثر إثارة للاستغراب أن جانباً من الانتقادات الموجّهة إلى مراجعة الرئيس بشأن قانون إعادة هيكلة المصارف يبدو منفصلاً عن مضمون المراجعة نفسها.

فبحسب الأساس القانوني الذي تقوم عليه المراجعة، ليس المطلوب إسقاط قانون إعادة هيكلة المصارف، ولا تعطيل الإصلاح المصرفي، ولا الحؤول دون إعادة تنظيم القطاع المالي. إنما ينصبّ الاعتراض على مسألة دستورية وتشريعية محددة تتعلق بأحد أحكام القانون، وبمدى مطابقة النص الصادر للصيغة التي أقرّها مجلس النواب فعلياً.

وهذا تمييز بالغ الأهمية.

فإذا ثبت أن نصاً تشريعياً قد صدر بصيغة تختلف، في جوهرها أو آثارها القانونية، عن الصيغة التي نالت موافقة السلطة التشريعية، فإن المسألة لا تعود خلافاً سياسياً حول مضمون الإصلاح، بل تصبح مسألة تتصل بسلامة العملية التشريعية نفسها، وباحترام إرادة مجلس النواب، وبالشرعية الدستورية للنصوص التي تُنشر باسم الأمة اللبنانية.

وعليه، فإن مراجعة رئيس الجمهورية، في هذه الحالة، لا تنتقص من سلطة مجلس النواب، بل ترمي إلى صونها؛ ولا تعرقل التشريع، بل تسعى إلى ضمان مطابقته للأصول الدستورية التي تمنحه شرعيته.

ومن هنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لمن يرفعون شعار احترام المؤسسات والإصلاح أن يعترضوا على الاحتكام إلى المؤسسة القضائية الدستورية المختصة بالفصل في هذه المسائل؟ وكيف يُصوَّر اللجوء إلى المجلس الدستوري على أنه تعطيل للإصلاح، فيما يشكّل، في حقيقته، إحدى الضمانات الأساسية لسلامة التشريع؟

إن الإصرار على مهاجمة المراجعة من دون مناقشة أساسها القانوني يثير تساؤلات مشروعة حول الدوافع الفعلية لهذه الحملة. فحين تُستبدل الحجة الدستورية بالتجريح السياسي، ويُختزل النقاش القانوني في اتهامات جاهزة بتعطيل الإصلاح، يصبح من الصعب اعتبار ما يجري مجرد اختلاف بريء في الاجتهاد أو التفسير.

بل إن تزامن هذه المواقف وتشابه مضامينها يطرحان سؤالاً مشروعاً عما إذا كان الهدف الحقيقي يتجاوز قانون إعادة هيكلة المصارف إلى محاولة أوسع لتقييد صلاحيات رئاسة الجمهورية، وإضعاف موقعها الدستوري، وحصر دورها في المصادقة على الخيارات التي تتخذها سائر السلطات.

غير أن للمسألة بُعداً مؤسساتياً آخر لا يقل خطورة.

فالنقاش الدائر حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي لا ينبغي أن يحجب نقاشاً أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل مصرف لبنان، وبالسلطة التي أناطها القانون بمجلسه المركزي، وبحدود الصلاحيات التي يمكن إسنادها إلى الهيئات المتخصصة العاملة ضمن المنظومة الرقابية والمصرفية.

فإعادة هيكلة المصارف شيء، وإعادة توزيع السلطة داخل المصرف المركزي شيء آخر تماماً.

الأولى ضرورة اقتصادية ومالية وتشريعية تفرضها الأزمة التي أصابت لبنان. أما الثانية فتستوجب نقاشاً مؤسساتياً مستقلاً، لأنها تمسّ وحدة القرار النقدي والرقابي، والتوازن الذي أقامه قانون النقد والتسليف، ومبدأ استقلالية المصرف المركزي، والمسؤولية القانونية المترتبة على ممارسة صلاحياته.

ولا يجوز، تحت عنوان الإصلاح المصرفي، أن يُصار إلى تفكيك السلطة المركزية التي أناطها القانون بالمجلس المركزي لمصرف لبنان، وتوزيعها على هيئات أو غرف متعددة داخل المنظومة نفسها، بما يفضي إلى تشتيت القرار وإرباك المسؤولية وإضعاف المساءلة.

فالمسألة ليست دفاعاً عن صلاحيات حاكم مصرف لبنان كشخص، وإنما عن الصلاحيات التي أناطها القانون بالمجلس المركزي بوصفه هيئة جماعية تتخذ قراراتها وفق الأصول القانونية. وثمة فارق جوهري بين تنظيم اختصاصات الهيئات المصرفية المتخصصة وبين تجريد المجلس المركزي من سلطاته الأساسية باسم إعادة التنظيم.

وإذا كان ثمة من يسعى إلى تحقيق هذه النتيجة من خلال التشريعات الإصلاحية، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: هل المقصود فعلاً إعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الثقة والودائع والوساطة المالية، أم إعادة رسم موازين السلطة داخل المصرف المركزي، على نحو قد يضعف استقلاليته ووحدة قراره؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الصلاحيات التي تُنتزع من مؤسسة لتُمنح لأخرى، ولا بحجم الضغوط السياسية التي تُمارس لتمرير قانون، بل بمدى احترامه للدستور، واتساقه مع المنظومة القانونية، وقدرته على إنشاء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالاً وخضوعاً للمساءلة.

وفي المحصلة، لا يجوز الخلط بين الاعتراض على قانون وبين الاعتراض على حق رئيس الجمهورية في الطعن بدستوريته، كما لا يجوز الخلط بين إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هندسة السلطة داخل مصرف لبنان.

ومن حق الجميع أن يختلفوا مع رئيس الجمهورية في تقديره القانوني، وأن يقدموا أمام المجلس الدستوري ما يشاؤون من حجج مضادة. لكن ليس من حق أحد أن ينصّب نفسه حكماً على مشروعية ممارسة الرئيس لصلاحية منحها إياه الدستور صراحة.

أما الفصل في دستورية النص المطعون فيه، فيعود إلى المجلس الدستوري وحده، لا إلى الحملات السياسية أو الضغوط الإعلامية.

إن خطورة ما يجري لا تكمن في الاختلاف حول مادة من قانون، بل في محاولة تحويل ممارسة حق دستوري إلى تهمة سياسية، وتحويل الإصلاح من وسيلة لتعزيز المؤسسات إلى ذريعة لإعادة توزيع سلطاتها.

فالدستور لا يُحترم انتقائياً، والصلاحيات لا تُقاس بهوية من يمارسها، والإصلاح لا يكتسب شرعيته من استعجال إقراره، بل من احترام الأصول التي تحكمه.

ومن يريد فعلاً إصلاح الدولة، عليه أن يبدأ باحترام دستورها، لا بمخاصمة من يحتكم إليه.