«فندق «الصحافة»… يغيب عن بيروت بعد 82 عاماً
«فندق «الصحافة»… يغيب عن بيروت بعد 82 عاماً
على مدى 82 عاماً، وقف فندق «لو كومودور» شاهداً على تاريخ بيروت الإعلامي والثقافي، من أفراح الاستقلال إلى مأساة الحرب الأهلية.
في قلب شارع الحمراء، لم يكن فندق «لو كومودور» مجرد مكان للإقامة، بل تحول إلى مركز إعلامي ودبلوماسي عالمي، يستقبل الصحافيين والدبلوماسيين الذين أرادوا نقل صورة بيروت إلى العالم خلال سنوات الحرب الاهلية. وصف روبرت فيسك، مراسل صحيفة The Independent، الفندق بأنّه كان مفتاحًا لفهم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فيما أشار جوناثان ديمبلبي من قناة ITV إلى أنّ الفندق كان مكانًا آمنًا نسبيًا وسط شوارع الحرب، ما جعله نقطة تجمع حيوية لمراقبة الأحداث. هذه الشهادات تعكس مكانة الفندق كمحور لتبادل المعلومات بين الإعلاميين والدبلوماسيين والشخصيات اللبنانية والدولية، وجعلته قلبًا نابضًا للإعلام والسياسة في بيروت.
خلال الحرب الأهلية بين 1975و1987، أصبح الفندق أشبه بـ «وزارة إعلام ميدانية» للقاءات بين القوى المسيطرة على بيروت الغربية، بما فيها الحركة الوطنية اللبنانية، حيث صاغت فيه تقارير سياسية متوجهة فيها الى الرأي العام الدولي، خصوصًا أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كما كان شاهداً على معارك عنيفة في محيطه بين حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي ما أدى إلى إغلاقه مؤقتاً عام 1987، قبل أن يُعاد افتتاحه عام 1996 بعد انتهاء الحرب.
استضاف شخصيات إعلامية ودبلوماسية بارزة، وأصبح مسرحًا للتواصل غير الرسمي بين السياسيين والمراسلين لتوضيح المواقف وإيصال الرسائل في ظل ظروف الحرب الصعبة.
الفندق لم ينجُ من المخاطر، فقد شهد اختطاف صحافيين أجانب في 1985.
بعد الحرب، حافظ الفندق على مكانته في شارع الحمراء واستمر في استضافة لقاءات سياسية،لايصال الرسائل الى الداخل اللبناني المعارض للوصاية السورية آنذاك، ومن أبرزها اجتماع القوى اللبنانية الموالية لسوريا في أيلول 2004 تحت شعار «الدفاع عن الثوابت الوطنية والقومية»، ردًا على لقاءات قرنة شهوان، ليصبح مركزاً لتنسيق مواقف أحزاب السلطة والموالاة. كما استضاف لقاءات حول انتخابات الرئاسة اللبنانية بمشاركة نواب وسياسيين من مختلف الأطياف، مثل رفعت بدوي، بشارة مرهج، عصام نعمان، محمد المجذوب وخليل الخليل. بالإضافة إلى ذلك، احتضن الفندق فعاليات تضامنية، أبرزها مهرجان «الوفاء لفلسطين» 2023، بحضور وزراء وشيوخ وممثلين عن أحزاب وفصائل فلسطينية وديبلوماسيين.
إغلاق الفندق في 10 كانون الثاني 2026 لا يعني مجرد توقف نشاط تجاري، بل يمثل نهاية مرحلة تاريخية رمزية في بيروت، وخسارة معلم شكّل هوية المدينة الصحافية والسياسية لعقود. كما يعكس القرار حجم التحديات التي يواجهها شارع الحمراء منذ عام 2005، إذ فقد تدريجياً حيويته الثقافية والإعلامية نتيجة انحسار الصحف والمجلات، وإقفال المسارح ودور السينما، واندثار المقاهي الفكرية التي كانت تحتضن النقاش العام. الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي وتراجع القدرة الشرائية حولت الشارع من قلب نابض للحياة الثقافية والفكرية إلى مساحة تجارية عشوائية، تعكس واقعاً جديداً للبنان بشكل عام ولبيروت بشكل خاص.
بهذا المعنى، يمثل إغلاق «لو كومودور» أكثر من مجرد حدث محلي؛ إنّه مؤشر على التغير العميق في هوية العاصمة، وفقدان الروح التي جعلت من بيروت مركزاً للإعلام والفكر في العالم العربي. الفندق، الذي شهد لحظات مفصلية في تاريخ لبنان المعاصر، لم يعد قادراً على الصمود أمام ضغوط الاقتصاد والتحولات الاجتماعية، ليصبح رحيله رمزاً لما فقدته المدينة من بريقها الثقافي والإعلامي.

