بين ساعة كراكاس وتقويم طهران.. هل انتهى زمن الأنظمة المحنّطة؟
بين ساعة كراكاس وتقويم طهران.. هل انتهى زمن الأنظمة المحنّطة؟
انتهى زمن توازن الرعب، وحلّ زمن «البلطجة المنظمة» التي تفرضها المصالح النفطية والتكنولوجية.
لم يعد السؤال في أروقة القرار الدولي: «هل تسقط طهران؟»، بل «كيف سيبدو شكل الإرتطام؟». فالمشهد الذي انفجر في كراكاس لم يكن مجرد عملية إنزال ناجحة، بل كان بمثابة «شيفرة» وراثية جديدة للسياسة الدولية، أثبتت أنّ الأنظمة التي تتغذى على الأيديولوجيا وتجوع في الواقع، هي أنظمة ميتة سريرياً تنتظر فقط من يجرؤ على فصل أجهزة الإنعاش.
إيران اليوم ليست مجرد دولة تواجه احتجاجات، إنّها تعيش صراعاً بين«ماضٍ» يتمسك بقداسة الشعارات، و«مستقبل» يرفض أن يُدفن في مقابر العقود الماضية. في طهران، لم تعد الجدران تسمع صدى التهديدات، بل باتت تشعر باهتزازات الأرض تحت أقدام الحرس، حيث تحولت «الدولة-الثورة» إلى «دولة-الحيرة» أمام عالم لم يعد يعترف بالخطابات، بل بلغة الصفقات الباردة والجراحات العسكرية الدقيقة.
١. متلازمة «الجدران المتآكلة»..حين تفقد العقيدة قدرتها على الحشد
ما تدركه واشنطن اليوم، ويغفله صُناع القرار في طهران، هو أنّ الأنظمة العقائدية لا تسقط بسبب «الغزو» الخارجي أولاً، بل بسبب «الخواء» الداخلي. في كراكاس، لم يقاتل أحد لأجل مادورو لأنّ «البوليفارية» تحولت إلى مجرد غطاء لفقر مدقع. وفي إيران، وصلت «ولاية الفقيه» إلى ذات الطريق المسدود؛ فالجيل الذي يقود الشارع اليوم هو جيل «الإنترنت» لا جيل «الخنادق». هذا الانفصام الوجداني جعل من القبضة الأمنية مجرد وسيلة لتأجيل السقوط لا لمنعه، محولاً الدولة إلى «قلعة رملية» تنتظر موجة عاتية واحدة.
٢. جراحة «الرأس»لا «الجسد»: الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
تجاوزت واشنطن في حقبة ترامب الثانية منطق «الحروب الأبدية». الاستراتيجية التي طُبقت في ساعتي كاراكاس تعتمد على «بتر الرأس» القيادي وشلّ قدرة الأطراف على الإستجابة. في إيران، تُطبق هذه الاستراتيجية عبر «العزل الرقمي والمالي» بانتظار لحظة «التيه» الكبرى. واشنطن لا تريد احتلال طهران، بل تريد إيصال النظام إلى نقطة «الإنتحار الاستراتيجي»، حيث يجد الحرس الثوري نفسه أمام خيارين؛ إما الغرق مع السفينة الأيديولوجية، أو التحول إلى «شريك» في تصفية التركة مقابل النجاة بالثروة.
٣. «عقيدة مونرو»الشرق أوسطية وتواري الحلفاء
السقوط في كراكاس كشف عن عورة «التحالفات الورقية». فروسيا التي كانت تهدد، والصين التي كانت تندّد، صمتتا حين أصبحت المواجهة وجهاً لوجه مع القوة الصرفة. هذا الدرس يُقرأ بعناية في طهران؛ فالمراهنة على «محور المقاومة» أو «الشرق العظيم» بدت كأوهام أمام «الصفقة الكبرى» التي يديرها الكبار فوق رؤوس الصغار. إيران اليوم تجد نفسها وحيدة في «محيط جيوسياسي» بدأ يغير بوصلته نحو واشنطن، مدركاً أنّ زمن «توازن الرعب» القديم قد استُبدل بزمن «البلطجة المنظمة» التي تفرضها المصالح النفطية والتكنولوجية.
٤. فنزويلا كـ «مرآة»..نهاية السيادة العبثية
المعضلة الأساسية التي تواجهها طهران هي «سقوط الحصانة». فإذا كانت واشنطن قد استطاعت سحب صفة «الرئيس» عن مادورو بجرة قلم قانونية، فإنّ الطريق إلى «نزع الشرعية» عن النظام الإيراني بات ممهداً عبر ملفات الإرهاب والنووي. لم تعد «السيادة» كلمة سحرية تمنع التدخل، بل أصبحت «مسؤولية» إذا عجزت الدولة عن أدائها، سُحبت منها بقوة «القانون الجراحي الجديد».
إنّنا لا ننتظر سقوطاً لنظام فحسب، بل ننتظر إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط بأكمله. إذا كانت «يالطا» قد رتبت العالم على أساس مناطق النفوذ، فإنّ «كراكاس» قد أرست قاعدة أنّ «المساحات الرمادية» قد انتهت. إيران اليوم تقف أمام تقويمها الأخير؛ فإما التغيير من الداخل بآلام مخاض عسيرة، أو انتظار «الساعتين» اللتين قد تأتيان في أي فجر، لتعلن أنّ زمن الأنظمة المحنطة قد وُوري الثرى، وأنّ العالم الجديد لا يحترم إلا من يملك القدرة على التكيف، أو القدرة على الاختفاء.

