إيران.. على حافة السقوط وهروب المرشد

إيران.. على حافة السقوط وهروب المرشد

  • ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

مشهد يعيد إلى الأذهان المراحل الأخيرة من حكم الشاه، حين بدأ الإنهيار الحقيقي مع خروج البازارات عن السيطرة.

ما تشهده إيران اليوم لم يعد يُصنَّف في خانة الإحتجاجات الدورية التي اعتاد عليها النظام خلال العقدين الماضيين. نحن أمام مرحلة مختلفة نوعياً، عنوانها الأساسي انتقال مركز الثقل من الشارع الطلابي إلى قلب السوق. للمرة الأولى، يتقدّم أصحاب المحال والتجّار واجهة الحراك، عبر إقفال الأسواق، تعطيل الحركة التجارية، والانخراط في عصيان إقتصادي مفتوح. هذا التحوّل ليس تفصيلاً إجتماعياً، بل تطور سياسي بالغ الخطورة، لأن السوق في إيران كان تاريخياً صمّام أمان للنظام، لا ساحة تمرّد عليه.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان المراحل الأخيرة من حكم الشاه، حين بدأ الإنهيار الحقيقي مع خروج البازارات عن السيطرة. في أواخر السبعينيات، لم يسقط النظام الملكي فقط تحت ضغط التظاهرات، بل نتيجة شلل إقتصادي أصاب الدولة في العمق. اليوم، تتكرّر المعادلة نفسها: عملة منهارة، تضخّم خانق، وعجز حكومي عن ضبط الأسواق، يقابله تمرّد صريح من الطبقة التجارية التي لم تعد ترى في الإستمرار تحت هذا النظام خياراً قابلاً للحياة.

ردّ السلطة جاء كاشفاً لحجم المأزق. القرار بمنح سبعة دولارات شهرياً لكل مواطن تحت عنوان«مساعدة معيشية» لم يُقابل بأي ترحيب، بل فُسّر في الداخل على أنّه إعلان إفلاس رسمي. دولة لطالما قدّمت نفسها كقوة إقليمية كبرى، تعجز اليوم عن تقديم أكثر من هذا المبلغ الزهيد لشعب يرزح تحت الفقر والبطالة وانهيار القدرة الشرائية، ما يؤكد فشل النموذج الإقتصادي والسياسي للجمهورية الإسلامية.

في موازاة الإنهيار الإجتماعي، تتكاثر المعلومات عن تحضيرات داخلية لأسوأ السيناريوهات. الحديث عن خطة محتملة لإخراج المرشد الأعلى إلى روسيا في حال خروج الوضع عن السيطرة، سواء ثبتت دقته أم بقيت في إطار التسريبات، يحمل دلالة سياسية ثقيلة. الأنظمة الواثقة لا يُتداول حولها سيناريو الهروب. مجرّد تداول هذا الاحتمال يعني أنّ فكرة السقوط لم تعد من المحرّمات حتى داخل الدوائر القريبة من السلطة.

وتضيف معطيات أمنية إقليمية بعداً أكثر خطورة للمشهد. مصدر في الاستخبارات التركية نقل، وفق دوائر متابعة، أنّ إيران تتجه نحو سيناريو صدام داخلي مفتوح، يأخذ طابع حرب أهلية غير متكافئة في المناطق العربية والكردية داخل البلاد. ووفق هذه المعطيات، فإنّ مجموعات محلية بدأت تتسلّح بشكل منظّم، بدعم خارجي يُنسب إلى كلٍّ من دولة الإمارات وإقليم كردستان العراق، في سياق استثمار الانهيار الداخلي لإضعاف المركز. خطورة هذا السيناريو لا تكمن فقط في تفكك الجبهة الداخلية، بل في تحوّل إيران إلى ساحة صراعات إقليمية بالوكالة، ما يعني أنّ أي انفجار داخلي لن يبقى محصوراً ضمن الحدود الإيرانية، بل ستكون له ارتدادات مباشرة على كامل الإقليم.

خطاب المرشد الأخير جاء ليؤكد هذا المسار التصادمي. توصيف المتظاهرين بأنّهم «عملاء للخارج» و«متعاونون مع قوى أجنبية» لا يهدف إلى إحتواء الشارع، بل إلى تبرير القمع. إنّها لغة الأنظمة التي تصل إلى مرحلة اللاعودة، حيث يصبح العنف الخيار الوحيد المتبقي للبقاء. هذا الخطاب يوحي بوضوح أنّ النظام لا ينوي التراجع، بل يستعد لمواجهة مفتوحة مع المجتمع، مهما كانت الكلفة البشرية.

على المستوى الدولي، لم يعد ما يجري في إيران شأناً داخلياً صرفاً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب خصّص حيزاً متكرراً للحديث عن الاحتجاجات، ملوّحاً أكثر من مرة بأنّ قتل المتظاهرين سيقود إلى رد عسكري على إيران. سواء كانت هذه التهديدات جدية أم جزءاً من الضغط السياسي، فإنّها تضيف بعداً خارجياً خطيراً إلى أزمة داخلية متفاقمة.

في الخلاصة، تقف إيران اليوم أمام لحظة مفصلية. تمرّد السوق، عجز الدولة، تصلّب الخطاب، وتسريبات الهروب، إلى جانب مؤشرات التفكك الداخلي، كلها عناصر تذكّر بمرحلة ما قبل سقوط نظام الشاه. قد لا يكون الانهيار فورياً، لكن مسار الأحداث يوحي بأن النظام دخل مرحلة العدّ التنازلي. وحين يتمرّد السوق، وتُغلق أبواب الحلول، يصبح السؤال متى يسقط النظام، لا إن كان سيسقط.