إيران أمام الضربة الأميركية: من المستفيد… الشارع أم النظام؟
إيران أمام الضربة الأميركية: من المستفيد… الشارع أم النظام؟
واشنطن لا تتحرك نصرة للمتظاهرين، بل وفق حسابات مصالح باردة، فيما يبقى مصير النظام مرتبطاً بقدرته على الصمود داخلياً لا بقدرة خصومه على القصف.
يعود دونالد ترامب إلى الواجهة بأسلوبه المألوف: تحذيرات صاخبة، لهجة هجومية، ووعود كثيرة يقدّمها كرجل يستعد لمعركة كبرى. في الأسابيع الأخيرة، تصاعد الخطاب الأميركي تجاه إيران، بالتوازي مع تسريبات إعلامية عن تحضيرات عسكرية غير اعتيادية. تقارير استخباراتية غربية تحدثت عن نقل قاذفات B-52 إلى قطر، في خطوة لا يمكن فصلها عن سيناريوهات ما قبل الاشتباك، أو على الأقل عن رسالة ردع قصوى موجهة إلى طهران.
لكن خطورة هذه التطورات لا تكمن في بعدها العسكري فقط، بل في توقيتها. فهي تأتي فيما تعيش إيران واحدة من أكثر لحظاتها الداخلية هشاشة منذ قيام الجمهورية الإسلامية. احتجاجات مستمرة، عصيان اقتصادي، تمرّد في الأسواق، وتآكل واضح في هيبة السلطة. كل ذلك يطرح سؤالاً مركزياً: إذا وقعت ضربة أميركية، هل ستخدم المتظاهرين أم تتحول إلى طوق نجاة للنظام؟
نظرياً، يمكن لأي ضربة دقيقة ومدروسة أن تصب في مصلحة الشارع الإيراني إذا استهدفت البنية الصلبة للقمع: الحرس الثوري، الباسيج، المؤسسات المرتبطة مباشرة بالمرشد، والشبكات الاقتصادية – الأمنية التي تمسك بمفاصل الدولة. ضرب هذه المفاصل قد يربك آلة القمع، يضعف قدرتها على السيطرة، ويفتح ثغرة تاريخية أمام حركة احتجاجية تبحث عن لحظة كسر التوازن.
إلا أنّ التجربة، في إيران كما في دول أخرى، تشير إلى سيناريو أكثر قتامة. فالضربات التي تقتصر على أهداف عسكرية تقليدية غالباً ما تُستثمر داخلياً لصالح السلطة. فجأة، يُعاد إنتاج خطاب «العدوان الخارجي»، تُجرّم المظاهرات، ويُشرعن القمع تحت عنوان الدفاع عن السيادة. في هذا السياق، يتحول المتظاهر إلى العدو الداخلي، ويُسحق الشارع بإسم المعركة الكبرى، بينما يستعيد النظام تماسكه مؤقتاً عبر الخوف والتعبئة القسرية.
في هذا الإطار، تكشف مصادر دبلوماسية غربية عن معطى بالغ الخطورة: استخدام إيران لميليشيات عراقية كأداة غير مباشرة في مواجهة الاحتجاجات داخل أراضيها، سواء عبر الدعم اللوجستي، أو نقل الخبرات القمعية، أو تشغيل قنوات أمنية رديفة تتجاوز بنية الدولة الرسمية. هذا المعطى يفتح الباب أمام سيناريو مختلف، مفاده أنّ أي ضربة أميركية محتملة قد لا تستهدف إيران مباشرة، بل البنية التحتية لهذه الميليشيات داخل العراق، باعتبارها ذراعاً خارجية تُستخدم لضبط الداخل الإيراني وحماية النظام من الانهيار.
من هنا، يبرز تساؤل أعمق حول نوايا واشنطن الحقيقية. هل هناك تفكير بخطة غير تقليدية تتجاوز منطق الضربة العسكرية الكلاسيكية؟ هل تسعى الولايات المتحدة إلى عملية مركّبة تفصل بين ضرب أدوات النفوذ الإقليمي للنظام وبين تجنّب منحه ذريعة الحرب المباشرة؟ أم أنّ ما يجري لا يتعدى كونه تمويهاً استراتيجياً لعملية تُدار في ساحة أقل كلفة وأكثر تأثيراً؟
فرضية التمويه تبدو واقعية في ضوء المشهد الإقليمي. فإيران، رغم إنهاكها الداخلي، فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها الخارجي. حماس تعرضت لضربة قاصمة، النظام السوري خرج عملياً من المعادلة الإقليمية، حزب الله منهك ومكبّل، والحوثيون تحت ضغط عسكري مستمر. تبقى الميليشيات العراقية الذراع الإيرانية الأكثر تماسكا والأقل تضرراً. ضرب هذه البنية قد يعني خنق قدرة طهران على المناورة الإقليمية من دون الإنجرار إلى مواجهة شاملة على الأراضي الإيرانية نفسها.
الشارع الإيراني يقف اليوم في موقع بالغ الحساسية. أي ضربة غير محسوبة قد تمنح النظام ذريعة لسحق ما تبقى من الحراك، وأي تراجع أميركي قد يُقرأ داخلياً كضوء أخضر لاستكمال القمع بلا حدود. المؤكد أنّ واشنطن لا تتحرك بدافع نصرة المتظاهرين، بل وفق حسابات مصالح باردة، فيما يبقى مصير النظام مرتبطاً بقدرته على الصمود داخلياً لا بقدرة خصومه على القصف.
في الخلاصة، تقف إيران أمام مفترق حاسم. الضربة الأميركية، إن حصلت، قد تكون عاملاً مسرّعاً للسقوط، أو أداة لإعادة تعويم سلطة مأزومة، أو جزءاً من معركة تُدار خارج الحدود لضرب أذرع النظام لا رأسه. الفارق لا تصنعه الصواريخ وحدها، بل طبيعة الأهداف، توقيت القرار، والأهم قدرة الشارع الإيراني على الصمود في مواجهة نظام أثبت مراراً أنّه يتقن تحويل الأخطار الخارجية إلى أدوات بقاء.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يفاجئنا دونالد ترامب بعملية خاطفة على غرار النموذج الفنزويلي، دقائق معدودة تكون كفيلة بإنهاء نظام كامل عبر ضربة سياسية – أمنية مركّزة؟ أم أنّ مثل هذه الخطط تبقى محصورة في «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، ولا يمكن تعميمها على دولة بحجم وتعقيد إيران؟ بين وهم الضربة القاضية وقيود الجغرافيا السياسية، يبدو أنّ واشنطن تجيد التلويح بالقوة، لكنها تتردد حين يكون الثمن انفجاراً إقليمياً لا يمكن ضبطه.

