إيران والإنهيار: قمع«الحرس»، صمت الجيش وثورة «البازار»

إيران والإنهيار: قمع«الحرس»، صمت الجيش وثورة «البازار»

  • ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

النظام فقد وسائل الحماية الشرعية، وأصبح يعتمد على القمع العسكري، الميليشيات الأجنبية، والإنفصال الرقمي عن العالم. الشارع، لم يتراجع، بل طور قدراته التنظيمية

لم تعد «الثورة» الإيرانية مجرد احتجاجات على الأسعار أو الرواتب المنهكة، ولا مجرد غضب شعبي يمكن ترويضه بالوعود الرمزية أو التهديدات التقليدية. الوقائع الأخيرة تقول ما لا يقوله أي خطاب رسمي: النظام الإسلامي الإيراني ينهار من الداخل، وعلاقة الشعب به تحولت من ولاء مشروط إلى رفض كامل، صريح، وحاد.

 

الركائز التقليدية للسلطة، من الحرس الثوري إلى تجّار البازار، لم تعد صامدة. التجار الذين لطالما كانوا عمود النظام الاقتصادي والتجاري خرجوا عن الطاعة الصامتة. في طهران، أغلق أصحاب المحلات في مركز«علاءالدين» و«چارسو» محلاتهم، وتجمعوا في شوارع الأسواق يرفعون لافتات مكتوبة بخط اليد: «الموت للدكتاتور»، «نريد حياة كريمة». لم يكن الأمر منظماً عبر نقابات أو أحزاب، بل كان انفجاراً جماعياً وعاطفياً، يعكس شعور «لا شيء نخسره». وبسرعة تفشت هذه الروح إلى «بازار طهران الكبير»، وساحات «نقش جهان» في أصفهان، وشارع «شهيد رضا» في مشهد، ومراكز مهمة مثل فاسا وكرمانشاه، حيث تحولت الشوارع إلى مسارح للتجمعات الشعبية اليومية.

 

الإقتصاد كان المحرك الأول والأكثر تأثيراً. الريال الإيراني انهار إلى مستويات غير مسبوقة، تجاوز 1.4 مليون ريال مقابل الدولار، وأسعار الغذاء ارتفعت بنسبة تجاوزت 70%، والخبز وحده شهد زيادة شهرية بلغت 15%. ميزانية 2026 أعادت توزيع الثروة بالكامل نحو الأجهزة الأمنية والعسكرية، بينما المواطنون يسددون الثمن. الكهرباء والوقود، وفي قلب الشتاء، كانت مقيدة، والمواد الأساسية شبه منعدمة في الأسواق، ما زاد من الضغط الشعبي على النظام.

 

مع تصاعد الاحتجاجات، بدأ النظام يفقد السيطرة الأمنية تدريجياً. انشقاق واضح ظهر داخل المؤسسة العسكرية: بعض وحدات الجيش النظامي (أرتش) رفضت إطلاق النار على المدنيين خشية قتل أبناء وطنهم، بينما وحدات الحرس الثوري لجأت إلى ميليشيات عربية وعراقية من «الحشد الشعبي»، تمركزت في الأهواز والمدن الكبرى لتطبيق ما وصفته القيادة العليا بأنّه «قمع بلا هوادة». هذا الإنقسام لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كشف عن هشاشة النظام وإمكانية انشقاق داخلي قد يسرّع انهياره.

 

في داخل المؤسسة العسكرية، كان هناك توتر بين الرتب المختلفة. الضباط الكبار في الجيش كانوا يدركون أنّ استخدام القوة المفرطة سيقوض أي شرعية متبقية، وأنّ إطلاق النار على الشعب سيخلق أعداءً داخليين دائمين، فيما بعض وحدات الحرس الثوري شعرت أنّ وفاءها للولي الفقيه يتجاوز أي إعتبار شعبي أو أخلاقي. بعض الجنود العاديين رفضوا القمع، وأصبحوا يشاهدون زملاءهم من ميليشيات يطلقون النار على المدنيين، ما أدى إلى حالات إنشقاق أولية وتوتر متصاعد داخل المعسكرات.

 

الميليشيات الأجنبية، وهي قوة موازية اعتمد عليها النظام بسبب ضعف الولاء الداخلي، أثبتت فعاليتها في بعض المواقع، لكنها أضافت عنصر صدام ثقافي ولغوي مع الشعب الإيراني. الميليشيات تتحدث العربية، وليس لديها روابط إجتماعية أو عاطفية مع السكان المحليين، ما زاد من الإستياء الوطني وأشعل مشاعر الغضب في المدن الكبرى، وأثار تهديداً لجنود الحرس الثوري أنفسهم، الذين رأوا في تدخل القوات الأجنبية تقليصاً لدورهم.

 

وسائل التواصل كانت ساحة معركة أخرى. قبل قطع الإنترنت، اعتمد المتظاهرون على تطبيقات مثل «تلغرام»، «واتساب» و«سجنال» لتنسيق التظاهرات، نشر مواقع التجمعات، نقل الأخبار الحية، وتوثيق القمع. كان لهذه الشبكات دور حيوي في تحريك الجماهير من البازار إلى الساحات، وفي المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان ومشهد، حيث ظهرت شبكات «التحالفات الشبابية المحلية»، التي استطاعت توحيد احتجاجات مشتتة تحت شعارات واحدة: «الموت للدكتاتور»، «الحرية لكل الإيرانيين».

 

في 8 كانون الثاني، قام النظام بإغلاق كامل للبوابات الدولية للإنترنت، تاركاً فقط ما يعرف بـ «الشبكة الوطنية» للحفاظ على الخدمات الحكومية والمصرفية. هذا الإجراء لم يوقف الحراك، لكنه أجبر المتظاهرين على إعادة تنظيم أنفسهم، وتحويل التجمعات إلى خلايا محلية أصغر وأكثر سرية. التعليمات انتقلت من الرسائل الجماعية إلى شفوية، ومن تواصل مركزي إلى شبكات أحياء متعددة، حيث أصبح نقل الأخبار من جسر إلى آخر، ومن شارع إلى آخر، أهم من أي منصة رقمية.

 

الإقتصاد كان محور النزاع أيضاً. الإضرابات في مصفاة آبادان ومجمع الغاز في عسلوية أثرت مباشرة على قدرة الحكومة على السيطرة، في وقت كانت الولايات المتحدة تصادر ناقلات النفط الإيرانية، مما أدى إلى شلل مزدوج: ضغط داخلي من المواطنين والعمال، وضغط خارجي من العقوبات والتدخل الدولي.

 

النتيجة النهائية حتى الآن واضحة: النظام لم يعد يمتلك وسائل حماية شرعية أو إقتصادية، وأصبح يعتمد على القمع العسكري، الميليشيات الأجنبية، والانفصال الرقمي عن العالم. الشارع، رغم كل ذلك، لم يتراجع، بل طور قدراته التنظيمية، وعزز روح المقاومة، وبدأ يشكل قيادة موازية فعالة، سواء عبر الأحياء أو عبر تحالفات محلية، أو عبر شبكات منظمة تدير الاحتجاجات يومياً رغم الخطر والقيود.

 

اليوم، إيران تقف على مفترق طرق تاريخي، فإما أن ينجح النظام في سحق الثورة بالقوة، وهو احتمال هش بالنظر إلى الإنقسامات الداخلية وتزايد التحركات الشعبية المنظمة، أو أن تستمر الإنشقاقات داخل الجيش والحرس، وتبدأ مرحلة جديدة من حكم موازٍ للسلطة المركزية، حيث يصبح الشارع المصدر الفعلي للقرار، لا القصر أو القيادة الدينية.