مقايضة الدم بالأرض: هل ضحّت واشنطن بـ«قسد» لفتح باب السلام بين دمشق وتل أبيب؟

مقايضة الدم بالأرض: هل ضحّت واشنطن بـ«قسد» لفتح باب السلام بين دمشق وتل أبيب؟

  • ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

الربح السوري الظاهر لا يخلو من مخاطر كامنة. قد يحمل بذور تفجير داخلي مؤجل. التجربة السودانية ماثلة في الأذهان: جيش واحد شكلياً، وولاءات متعددة عملياً، انتهت إلى انقسام دموي من الداخل.

الأحد 18 كانون الثاني شكّل نقطة تحوّل مفصلية في المشهد السوري، مع الإعلان عن وقفٍ شامل لإطلاق النار بين الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية». الإتفاق، الذي نصّ على دمج «قسد» تدريجياً في مؤسسات الدولة السورية، وإعادة دير الزور والرقة فوراً إلى السيادة المركزية، وبدء مسار ضمّ الحسكة لاحقاً، لا يمكن قراءته كحدث عسكري محض، بل كحلقة في صفقة سياسية أوسع تتجاوز الداخل السوري.

 

المعطيات الميدانية لافتة: انتقال المعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز، والمرافق الحيوية إلى سيطرة دمشق، مع بدء آلية تدقيق أمني تمهيداً لدمج الوحدات القتالية ضمن الجيش السوري. ما يلفت هنا ليس فقط سرعة الإنهيار في خطوط «قسد»، بل سهولة تقدّم الجيش السوري مقارنةً بتعقيدات المواجهة في ساحات أخرى، ولا سيما في الجنوب حيث التوتر مع الدروز اتخذ طابعاً مختلفاً وأكثر حساسية. هذا التفاوت في الأداء يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل كان المشهد ثمرة تسوية دولية أكثر منه نتيجة تفوّق عسكري؟

 

«قسد» لطالما كانت ورقة واشنطن الأهم شرق الفرات. دعم عسكري، غطاء سياسي، وإدارة شبه مستقلة للموارد. ومع ذلك، انتهت الورقة خلال أيام. مصادر غربية تؤكد أنّ إعادة هذه الجغرافيا إلى دمشق كانت شرطاً مسبقاً لأي مسار تطبيع أو إتفاق سلام محتمل بين سوريا وإسرائيل. من هذا المنظور، يبدو أنّ الولايات المتحدة اختارت إعادة ترتيب أوراقها: التضحية بحليف ميداني مقابل فتح نافذة استراتيجية أكبر تتعلق بأمن إسرائيل وإعادة هندسة الإقليم.

 

الربح السوري الظاهر لا يخلو من مخاطر كامنة. فدمج قوة عسكرية عقائدياً وسياسياً مختلفة داخل الجيش النظامي، وفي بيئة اجتماعية وإثنية معقّدة، قد يحمل بذور تفجير داخلي مؤجل. التجربة السودانية ماثلة في الأذهان: جيش واحد شكلياً، وولاءات متعددة عملياً، انتهت إلى انقسام دموي من الداخل. في الحالة السورية، يصبح السؤال أخطر: ماذا لو لم تُستكمل الصفقة السياسية الكبرى؟

 

في حال تراجعت دمشق عن توقيع إتفاق سلام مع إسرائيل، أو حاولت المناورة على توقيته وشروطه، ستكون أدوات الضغط جاهزة. وجود آلاف المقاتلين المدمجين حديثاً، مع شبكات نفوذ وعلاقات خارجية سابقة، يوفّر لإسرائيل والولايات المتحدة قدرة كامنة على تفتيت الجيش السوري من الداخل، من دون طلقة واحدة. التفجير هذه المرة لن يكون عبر الجبهات، بل عبر الشروخ البنيوية.

 

في الخلاصة، ما جرى ليس نهاية صراع، بل انتقاله إلى مستوى أعلى وأكثر خطورة. واشنطن لم تخرج من سوريا، بل أعادت التموضع. و«قسد» لم تُهزم فقط، بل استُخدمت كعملة تفاوض. أما دمشق، فبين ربح الجغرافيا وخسارة هامش القرار، تقف اليوم أمام اختبار تاريخي: إمّا استكمال الصفقة حتى النهاية، أو مواجهة سيناريو تفكك يبدأ من الداخل ولا يُبقي من الدولة سوى إسمها.