حين يعترض وزير… ويصمّ القرار أذنيه

حين يعترض وزير… ويصمّ القرار أذنيه

  • ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • انطونيو الهاشم -نقيب المحامين سابقاً

في الدول السليمة، يكفي تحفّظ واحد مبني على معطيات جدّية لتجميد قرار. لا لأنّ المعترض يملك الحقيقة المطلقة، بل لأنّ الدولة لا تُدار بمنطق التجربة والخطأ حين يتعلّق الأمر بسمعتها.

أنهكنا الفساد حتى صار اعتياديًا، و أصبح الإعتراض فعلًا إستثنائيًا. حين يخرج وزير ليقول «لا» في وجه تعيينٍ ملتبس، لا ينبغي المرور على ذلك كخبرٍ عابر، بل التوقّف عنده بوصفه علامة فارقة في زمن تساوت فيه الموافقات والصمت.
تحفّظ الوزير عادل نصّار لم يكن تفصيلًا إداريًا، ولا مزاجًا شخصيًا، بل موقفًا قانونياً وأخلاقيًا في آنٍ. هو لم يُصدر حكمًا، ولم يختزل دور القضاء، بل تمسّك بما هو أبسط وأخطر، مبدأ الشبهة وتعارضها مع المنصب العام، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بإدارة الجمارك، الرئة التي تنفّس منها الفساد طويلًا حتى كاد يخنق الدولة.
حين يعترض وزير على تعيين موظف ملاحَق أمام القضاء، فهو لا يُدين ، بل يحمي الدولة من الإحراج، ويحمي الموقع من الانكسار، ويحمي العدالة من أن تبدو كأنّها تأتي متأخرة دائمًا، بعد أن تكون السلطة قد منحت غطاءها.
لكن ماذا يعني أن يُسجَّل التحفّظ… ثم يُستكمَل التعيين كأنّ الاعتراض لم يكن؟
أي رسالة تُبعث إلى الرأي العام حين يُهمَل صوت داخل الحكومة يذكّر بأبسط قواعد النزاهة؟
وهل يصبح الوزير المعترض شاهدًا لا يُؤخذ بشهادته؟

الأخطر أنّ هذا التجاهل لا يسيء فقط إلى الوزير المتحفّظ، بل إلى فكرة المساءلة نفسها. فحين يُقصى التحفّظ، يُقصى معه مبدأ الوقاية، وتتحوّل الدولة إلى مقامرٍ يراهن على أن «شيئًا لن يحدث».
وماذا لو حدث؟
ماذا لو أوقف القضاء المديرة المعيّنة؟
هل سيقال إنّ القضاء فجّر مفاجأة؟
أم أنّ المفاجأة الحقيقية هي تجاهل التحفّظ المسبق، وتعمّد السير فوق حقل ألغام معروف؟
في الدول السليمة، يكفي تحفّظ واحد مبني على معطيات جدّية لتجميد قرار. لا
لأنّ المعترض يملك الحقيقة المطلقة، بل لأنّ الدولة لا تُدار بمنطق التجربة والخطأ حين يتعلّق الأمر بسمعتها.
ففي بلدٍ اعتاد الإجماع على الخطأ، يصبح الإعتراض فضيلة.
لكن الفضيلة، وحدها، لا تحمي الدولة…
إن لم يُصغِ القرار إليها.