«تقبيل الجدار».. خيارات «حزب الله» في الحرب المقبلة

«تقبيل الجدار».. خيارات «حزب الله» في الحرب المقبلة

  • ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

ماذا سيفعل «حزب الله» إذا اندلعت الحرب؟ هل سيشارك فيها؟ هل سيكرّر «الفوتة بالحيط»؟

بعد الضربة الأميركية التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني، وبعد حرب الـ12  يوماً بين إيران وإسرائيل، لم تعد فكرة الحرب بين واشنطن وطهران مجرّد سيناريو نظري يُتداول في مراكز الدراسات. المناخ العام، من المقالات والتقارير الدولية، إلى الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، إلى نبرة الخطاب السياسي، يوحي بأنّنا أمام مفترق حقيقي، إما تنازلات إيرانية قاسية على طاولة التفاوض، وإما حرب مفتوحة تتداخل فيها الجبهات، وتُدار بالنار أكثر مما تُدار بالحسابات.

في هذا المشهد، يبرز سؤال يبدو بديهياً لكنه في الحقيقة الأكثر خطورة. ماذا سيفعل «حزب الله» إذا اندلعت الحرب؟ هل سيشارك فيها؟ وكيف؟ أم أنّه، كما في محطات سابقة، سيجد نفسه أمام خيار واحد لا يُقال صراحة، لكنه يُمارَس عملياً، «الفوتة بالحيط» و «تقبيل الجدار»، والدخول في الحرب لا لأنّها قابلة للربح، بل لأن التراجع بات مستحيلاً؟

«حزب الله» اليوم ليس «حزب الله» الأمس. هذه ليست جملة إنشائية ولا توصيفاً سياسياً بين أخصام، بل قراءة واقعية لمسار أكثر من سنة من الإستنزاف المتواصل. الحرب التي فتحها الحزب ضد إسرائيل، تحت عناوين «وحدة الساحات» و «إسناد غزة»، لم تكن معركة محدودة كما أُريد لها أن تُقدَّم. كانت حرباً مفتوحة إلى أبعد حد، خسر فيها الحزب جزءاً مهماً من قوته العسكرية، ومن قدرته على المناورة، ومن نخبة قياداته الميدانية والتنظيمية. والأهم أنّها لم تنتهِ فعلياً. إسرائيل تواصل، منذ أكثر من عام، ضرباتها شبه اليومية، من اغتيالات، استهداف مخازن وبنى تحتية، ورسائل نار ثابتة تقول إنّ الإستنزاف مستمر، وإنّ ما تبقى ليس خارج الحساب.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن مشاركة «حزب الله» في حرب كبرى بين أميركا وإيران أقرب إلى سؤال عن مصير، لا عن قرار. فالحزب، الذي بنى هويته السياسية والعسكرية بوصفه ذراعاً إقليمية للمشروع الإيراني، سيجد نفسه أمام اختبار وجودي. عدم المشاركة سيُفسَّر داخل «المحور» كخلل في الوظيفة، فيما المشاركة ستُقرأ داخلياً كفعل انتحاري يُدخل لبنان في مواجهة لا قدرة له على تحملها.

لكن المعضلة الأعمق أنّه خيارات الحزب ليست متكافئة. الحرب المقبلة، إن حصلت، لن تكون تكراراً لتموز 2006، ولا حتى لتصعيد محدود يمكن ضبط إيقاعه. إسرائيل اليوم في موقع هجومي ثابت، وأميركا في موقع ردع مباشر، والحزب ولبنان في أضعف حالاتهما السياسية والإقتصادية. لذلك، فإنّ أقصى ما قد يلجأ إليه الحزب، في حال قرر المشاركة، هو انخراط «مدروس»، كضربات محدودة، صواريخ محسوبة، رسائل بالنار أكثر منها معارك. غير أنّ هذا الحد الأدنى سيكون كافياً لإدخال البلد في دائرة الإستهداف، وفتح الباب أمام تصعيد لا يملك أحد مفاتيح وقفه سوى بنيامين نتنياهو.

هنا يظهر الجدار، لا بوصفه إستعارة لغوية، بل كواقع استراتيجي. «حزب الله» محاصر بثلاثة جدران صلبة. الجدار الأول هو إسرائيل، التي لم تعد تتعامل معه كتهديد مؤجَّل، بل كهدف دائم، مفتوح على الضرب والإستباق. الجدار الثاني هو الداخل اللبناني، المنهك والمنكسر، والذي لم يعد قادراً أو راغباً في دفع ثمن حروب الآخرين. والجدار الثالث هو إيران نفسها، التي قد تجد في الحزب ورقة ضغط أو رسالة نارية، من دون أن تكون مستعدة لتحمّل نتائج إنهياره أو إنهيار البلد الذي يحتضنه.

بين هذه الجدران، يصبح قرار المشاركة فعلاً أقرب إلى «تقبيل الجدار» منه إلى خيار سياسي. ليس لأنّ الحزب لا يرى المخاطر، بل لأنّه قد يصل إلى لحظة يعتقد فيها أنّ الإصطدام أقل كلفة من التراجع، وأنّ الخسارة المؤكدة أهون من خسارة الموقع والدور والوظيفة. لكن ما يُحسب «خياراً اضطرارياً» داخل الحزب، سيُترجَم وطنياً ككارثة مفتوحة.

السؤال الحقيقي إذاً ليس هل سيشارك «حزب الله»؟ بل، هل يملك القدرة على عدم المشاركة؟ وهل يدرك أنّ أي مشاركة، مهما كانت محدودة ومضبوطة، ستُسقط ما تبقّى من شرعيته الداخلية، وستضعه في مواجهة جمهور لبناني أوسع بات يرى فيه عبئاً وجودياً، لا قوة حماية؟

قد يراهن الحزب على الوقت، وعلى نجاح المفاوضات، وعلى تسوية تُنقذ إيران من الحرب، فينجو هو تلقائياً. لكن الرهان على الوقت، في السياسة كما في الحروب، ليس استراتيجية. هو تأجيل للإصطدام، لا أكثر. والإصطدام، في حالة «حزب الله»، لن يكون مع الخارج وحده، بل مع واقع لبناني لم يعد يحتمل دور «الساحة»، ولا وظيفة «الذراع».

إذا دخل «حزب الله» هذه الحرب، ولو من بابها الضيّق، فلن يدخلها وحده. سيدخل لبنان معه، دولةً ومجتمعاً وإقتصاداً وأفراداً. وقد تكون هذه أخطر لحظة في تاريخ الحزب، اللحظة التي لا يعود فيها قادراً على تقديم نفسه لا كمنتصر، ولا حتى كمقاوم، بل كطرف يتعرض لمصيبة، ويُجبر بلداً بأكمله على تحملها.

في النهاية، الجدار ليس عسكرياً فقط، بل جدار الحقيقة. حقيقة أنّ زمن الحروب بالوكالة يقترب من نهايته، وكلفة أن تكون «ذراعاً» باتت أعلى من قدرة أي مجتمع على الإحتمال. و«حزب الله»، إن لم يدرك ذلك الآن، قد يكتشفه متأخراً... وسط الركام.