حرب الجنوب الجديدة.. احتلال بالنار والدمار أنطوني سعد

حرب الجنوب الجديدة.. احتلال بالنار والدمار أنطوني سعد

  • ٢٠ أيار ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

الحزب طلب عبر الرئيس بري تكثيف الضغط على واشنطن لفرض وقف إطلاق نار سريع

مع تصاعد عمليات حزب الله ضد القوات الإسرائيلية داخل ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر»، عاد اسم عملية أنصارية إلى التداول مجدداً داخل الأوساط السياسية والعسكرية. ففي عام 1997، تمكن حزب الله من نصب كمين لوحدة كوماندوس إسرائيلية خاصة في بلدة أنصارية، في واحدة من أكثر العمليات إحراجاً لإسرائيل خلال فترة احتلال الجنوب.

إلا أنّ مصادر عسكرية غربية ترى أنّ تكرار سيناريو مشابه اليوم يبدو أكثر صعوبة بكثير، بسبب التغير الجذري في طبيعة الحرب. ففي التسعينيات، كانت إسرائيل تعتمد على المواقع العسكرية الثابتة والدوريات البرية مع قدرات مراقبة محدودة نسبياً، بينما تمتلك اليوم تفوقاً هائلاً في الاستطلاع الجوي والطائرات المسيّرة والمراقبة الإلكترونية وتحليل الاتصالات بشكل لحظي، ما يجعل تنفيذ كمائن كبيرة أكثر تعقيداً وخطورة.

ورغم ذلك، فإنّ الهجمات ضد القوات الإسرائيلية داخل «الخط الأصفر» لم تتوقف، مع سقوط قتلى وجرحى خلال الأسابيع الأخيرة، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بين 1982 و2000. لكن إسرائيل هذه المرة لا تعتمد فقط على إنشاء منطقة عازلة، بل أيضاً على سياسة «الأرض المحروقة»، عبر عشرات الغارات اليومية التي تستهدف القرى الجنوبية والمنازل والبنى التحتية والطرقات، في محاولة لتحويل المنطقة الحدودية إلى شريط مدمر يصعب استخدامه عسكرياً.

وفي موازاة ذلك، تكشف مصادر دبلوماسية أميركية أنّ مسؤولين إسرائيليين يضغطون على واشنطن لمنح الجيش الإسرائيلي هامشاً أوسع لإطلاق حملة جديدة داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، باعتبار أنّ أي حرب استنزاف طويلة لن تُحسم فقط في القرى الحدودية بل أيضاً عبر ضرب البنية العسكرية والقيادية لحزب الله في عمقه الأساسي.

في المقابل، تغيّر حزب الله أيضاً. فالحزب الذي خاض حرب استنزاف تقليدية في التسعينيات يمتلك اليوم ترسانة كبيرة من المسيّرات الانتحارية والصواريخ الدقيقة والخبرات القتالية التي راكمها في المنطقة. إلا أنّ ما لا يُقال علناً تعكسه التحركات السياسية خلف الكواليس، إذ تشير أوساط مطلعة إلى أنّ الحزب طلب عبر الرئيس نبيه بري تكثيف الضغط على واشنطن لفرض وقف إطلاق نار سريع، في مؤشر على حجم الإنهاك الذي يواجهه وحاجته إلى إعادة تنظيم صفوفه وتخفيف الضغط عن بيئته الحاضنة، خصوصاً مع اتساع رقعة التهجير ووصولها إلى الزهراني. لكن إسرائيل، المدفوعة بشعور واضح بالتفوق، لا تبدو مستعدة حتى الآن للاستجابة للضغوط أو العروض المطروحة.

والمقارنة مع تسعينيات القرن الماضي لا تبدو لمصلحة لبنان الحالي. ففي تلك المرحلة، ورغم الاحتلال الإسرائيلي، لم يكن لبنان يعيش حجم الانهيار الاقتصادي والسياسي الحالي، كما أنّ حجم الدمار كان أقل بكثير. إضافة إلى ذلك، وفّرت البحبوحة الاقتصادية التي رافقت مشروع إعادة الإعمار بقيادة رفيق الحريري والدعم السعودي هامشاً ساعد البيئة الحاضنة للمقاومة على الصمود لسنوات. أما اليوم، فلبنان المنهار مالياً واقتصادياً يبدو أقل قدرة بكثير على تحمل حرب استنزاف طويلة أو احتلال مفتوح، ما يجعل أي مواجهة ممتدة تهديداً مباشراً لبنية الدولة والمجتمع معاً