عودة الأسد إلى الشرق الأوسط؟

عودة الأسد إلى الشرق الأوسط؟

  • ٢٠ آب ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

لقد لعب العلويون أوراقهم من جديد، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس تماماً. فمن الحليف الإيراني إلى البحث عن المظلة الإسرائيلية.

ads

منذ سقوط بشار الأسد في سوريا، تغيّر موقع الطائفة العلوية بشكل جذري داخل المعادلة السورية والإقليمية. فالطائفة التي شكّلت لعقود أحد أهم أعمدة النظام السوري، وكانت حاضرة بقوة داخل الجيش والأجهزة الأمنية ومراكز القرار، وجدت نفسها خلال فترة قصيرة خارج السلطة، وتراجع دورها في المنطقة إلى حد يكاد يكون معدوماً.

وعندما حاول جزء من العلويين التمرد على السلطة الجديدة، جاءت المواجهة قاسية، وسقط عدد كبير منهم خلال العمليات التي نفذتها قوات السلطة بقيادة أحمد الشرع. الانتفاضة العلوية لم تنجح في تحقيق أهدافها، ولم تستطِع فرض واقع سياسي وعسكري جديد كما فعل الدروز في مناطقهم.

 

لكن السؤال اليوم هو: هل تعلّم العلويون من أخطائهم، وبدأوا البحث عن حليف جديد يعيدهم إلى الخريطة؟

مصدر استخباراتي فرنسي يتحدث عن تطورات قد تكون الأخطر منذ سقوط النظام السوري، ويقول إنّ عدداً من ممثلي الطائفة العلوية عقدوا خلال الفترة الماضية اجتماعات مع مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين، في محاولة للبحث عن صيغة جديدة لمستقبل الساحل السوري.

ويذهب المصدر أبعد من ذلك، إذ يتحدث عن دور مباشر لماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري السابق وأحد أبرز رجال النظام السابق، ويقول إنّ ماهر زار إسرائيل مرتين وعقد اتصالات مرتبطة بالمشروع الجديد الذي يجري بحثه.

وبحسب المصدر، فإنّ الهدف الأساسي من هذه الاجتماعات هو العمل على إقامة دولة علوية على الساحل السوري، تحظى بدعم إسرائيلي ومساعدة روسية، وتتحول إلى كيان منفصل قادر على حماية العلويين وإعادتهم لاعباً في المعادلة السورية والإقليمية.

لكن هنا يظهر تطور آخر يطرح علامات استفهام حول الموقف الروسي نفسه. فاللافت أنّ الحديث عن انسحاب روسي من بعض القواعد والمواقع جاء متزامناً مع الاجتماعات التي تعقد بين شخصيات علوية والإسرائيليين، ما يفتح الباب أمام أكثر من تفسير لطبيعة موقف موسكو من المشروع المطروح.

 

فهل يعكس الانسحاب الروسي عدم رضا موسكو عن الاتصالات التي تجري بين العلويين والإسرائيليين، خصوصاً إذا شعرت روسيا بأنّ حلفاءها السابقين على الساحل السوري بدأوا يتحركون بعيداً عنها ويبحثون عن مظلة إسرائيلية جديدة؟

أم أنّ الحسابات الروسية تسير في اتجاه مختلف تماماً، وأنّ موسكو تريد الانسحاب أو تخفيف وجودها لكي تنأى بنفسها مسبقاً عما قد يحدث لاحقاً على الساحل السوري، وتتنصل من أي مسؤولية سياسية أو عسكرية عن الأحداث التي يمكن أن تشهدها المنطقة؟

 

تزامن الخطوتين لا يمكن تجاهله. ففي الوقت الذي تتكثف فيه، بحسب المصدر، الاتصالات بين شخصيات علوية والجانب الإسرائيلي، يتراجع الوجود الروسي في مواقع كان يشكل فيها طوال سنوات الضامن العسكري الأساسي للنظام السابق. وهذا التزامن يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت روسيا تعارض المشروع بالفعل، أم أنّها تعرف بما يجري وتفضّل الوقوف جانباً في المرحلة الأولى قبل تحديد موقفها النهائي وفقاً لمسار الأحداث.

لكن المصدر يضيف تفصيلاً بالغ الأهمية يتعلق بقيادة هذا الكيان المفترض. فبحسب المعلومات المتداولة في هذه الاجتماعات، هناك توجه واضح إلى أنّ رئيس الدولة العلوية المستقبلية يجب ألا يكون شخصاً يحمل اسم الأسد، رغم الدور الذي يلعبه ماهر الأسد في الاتصالات الجارية.

والسبب أنّ المشروع، إذا أريد له الحصول على دعم خارجي وقبول داخلي، يجب أن يظهر كمرحلة جديدة منفصلة عن تجربة حكم عائلة الأسد، لا كمحاولة لإعادة النظام السابق بصورة مختلفة. أي أنّ ماهر الأسد قد يكون أحد مهندسي المشروع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون هو أو أي فرد آخر من عائلة الأسد على رأس الكيان الجديد.

 

المشروع، إذا انتقل من مرحلة الاتصالات إلى التنفيذ، لن يكون مجرد تقسيم جديد لسوريا، بل سيخلق واقعاً جيوسياسياً مختلفاً بالكامل في شرق المتوسط. فالساحل السوري يشكل منطقة استراتيجية بسبب موقعه ووجود القواعد والمصالح الروسية فيه، وأي تغيير في هويته السياسية سيعيد خلط أوراق سوريا والمنطقة.

لكن اللافت أكثر في المعلومات هو الحديث عن طبيعة العلاقة المستقبلية بين هذا الكيان وإسرائيل. فبحسب المصدر، ستكون الدولة العلوية الجديدة مستعدة للاعتراف علناً بإسرائيل، وإعلان امتنانها للدعم الإسرائيلي الذي ساهم في قيامها وحمايتها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

 

فالعلويون الذين شكّلوا طوال عقود العمود الأساسي لنظام كان جزءاً من المحور الإيراني، وارتبط بعلاقات عسكرية وسياسية عميقة مع طهران وحزب الله، قد يجدون أنفسهم خلال أقل من ثلاث سنوات ينتقلون من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الإسرائيلي.

لقد لعب العلويون أوراقهم من جديد، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس تماماً. فمن الحليف الإيراني إلى البحث عن المظلة الإسرائيلية، ومن حكم سوريا إلى محاولة الاحتفاظ بجزء منها، يبدو أنّ الأولوية أصبحت البقاء لاعباً في المنطقة مهما كان الثمن.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإنّ المفارقة ستكون أن اسم الأسد قد يكون حاضراً خلف مشروع عودة العلويين إلى الخريطة، لكنه سيكون أول اسم ممنوع من حكم الدولة التي يسعى المشروع إلى إنشائها.

ads