لماذا نحب ترامب؟
لماذا نحب ترامب؟
النظام الدولي فوضوي، والدول لا تبحث عن الخير، بل عن البقاء. حين يصبح الإستنزاف أعلى من الفائدة، تُفرض التسويات.
في السياسة، كما في الحروب القديمة، لا ينتصر الأكثر أخلاقاً بل الأكثر فهماً لطبيعة القوة. هذا ما قاله ثيوكيديدس قبل أكثر من ألفي عام، حين لخص العالم بجملة واحدة لا تزال تصدمنا حتى اليوم: «ما يُسمى أخلاقاً في السياسة هو غالباً لغة العاجزين حين يعجزون عن الفعل». دونالد ترامب، بكل قوته، لم يفعل أكثر من إعادة هذه قاعدة القوة إلى الواجهة، بعد عقود من التمويه الأخلاقي والخطاب المزخرف.
في زمن يتقن فيه العالم فن المماطلة، ظهر ترامب كنسخة صافية من الواقعية السياسية. لا يشرح كثيراً، لا يبرر طويلاً، ولا يختبئ خلف لجان وخطوط حمراء رمزية. رجل يضرب في الليل، ويوقّع في الليل، ويُسقِط رؤوساً في الليل. السياسة عنده ليست خطاباً، بل فعل. ليست مساراً، بل نتيجة. وهنا تماماً يلتقي مع ثيوكيديدس، لا مع دعاة السلام المثاليين.
بليلة واحدة، وُضع البرنامج النووي الإيراني تحت النار. لا بيانات قلق، ولا اجتماعات أممية، ولا انتظار «حسن نيات» ومفاوضات طويلة ومملة. قرار، تنفيذ، وانتهى النقاش. هانز مورغنثاو، أحد آباء الواقعية الحديثة، كان سيصف هذا المشهد ببساطة: الدولة تسعى إلى تعظيم قوتها، لا إلى إرضاء ضميرها. وما فعله ترامب لم يكن خروجاً عن المنطق، بل عودة فجة إليه.
وبليلة واحدة، بعد حرب غزة، وُلدت تسوية بين حماس وإسرائيل. ليس لأنّ الصراع انتهى، ولا لأنّ العدالة تحققت، بل لأنّ كلفة الاستمرار تجاوزت المنفعة. هنا، يتقدم منطق كينيث والتز: النظام الدولي فوضوي، والدول لا تبحث عن الخير، بل عن البقاء. حين يصبح الاستنزاف أعلى من الفائدة، تُفرض التسويات.
ثم جاءت الليلة الأكثر صدمة: نيكولاس مادورو وزوجته خارج كاراكاس، في عهدة الجيش الأميركي. لا انقلاب داخلي، لا حصار طويل، لا انتظار انهيار بطيء. ضربة مباشرة، أتت كتذكير عملي بأنّ السيادة ليست مبدأً مقدساً، بل وظيفة تحميها القوة فقط. تماماً كما قال ثيوكيديدس: العدالة تُناقَش فقط بين متكافئين في القوة. أما القوي فيفعل ما يشاء.
لماذا نحب ترامب؟ لأنّ العالم سئم الكذب على نفسه. سئم من لغة حقوق الإنسان حين تعجز، ومن الشرعية الدولية حين تُشل. ترامب لا يدعي الفضيلة، ولا يبيع الوهم والمثاليات. هو يعري السياسة من مكياجها، ويعيدها إلى عظمتها القاسية: صراع مصالح، إدارة خوف، وضبط ميزان الردع... لا أكثر.
هو ليس رجل قيم، بل رجل نتائج. لا يسأل: هل هذا أخلاقي؟ بل: هل هو فعّال؟ لا يعنيه إن كُتب عنه أنّه متهوّر، بقدر ما يهمه أن تُسجَّل النتيجة على الأرض. الواقعيون الكلاسيكيون كانوا سيبتسمون: أخيراً، رئيس يتصرف كما تُدرَّس السياسة، لا كما تُخطب. سياسة حقيقية لا سياسة مثالية تم تعظيم شأنها في العقود الماضية مع الجمعيات والمنظمات الدولية ورهط الحقوقيين والناشطين المثاليين...
في عالم تحولت فيه السياسة إلى مسرح خطابي ومبادئ وقيم، جاء ترامب ليُطفئ الأضواء ويُعيد السياسة إلى أصلها. السياسة فن استخدام القوة. لا يؤمن بالرماديات، إما معنا أو ضدنا. إما الآن أو لا داعي. هذا التبسيط القاسي، الذي يكرهه المثاليون، هو ما يجعل الدول الصغيرة تفهمه فوراً، والدول الكبرى تخشاه بجدية.
ترامب لا يبني نظاماً دولياً جديداً، بل يتصرف كما لو أنّ النظام وهم مفيد فقط ما دام يخدم الأقوياء. هو لا يهدم الأخلاق، بل يتجاهلها حين تعيق المصلحة. وهذه، مهما حاولنا إنكارها، هي القاعدة غير المكتوبة التي حكمت العالم دائماً.
قد لا يكون محبوباً أخلاقياً، ولا مطمئناً، ولا حتى قابلاً للتنبؤ. لكنه مقروء. فِعله يسبق خطابه، وقراره يسبق تبريره. واقعي حتى القسوة، صريح حتى الإزعاج. وفي زمن أتقن فيه العالم فن الخداع الناعم والخطابات الأخلاقية والقيمية التعيسة، يصبح هذا النوع من الوضوح قيمة بحد ذاتها.
نحب ترامب لأنّنا نحب القوة. نحب ترامب لأنّه في مكان ما من وعينا السياسي، نعرف أنّ القوة لا الأخلاق تحكم العالم، وأنّ التاريخ لا يكافئ من يُتقن الكلام بل من يحسن استخدام القوة. وحين يتعب العالم من الأوهام، لا يعود إلى الحكماء… بل إلى أولئك الذين يفهمون قانون الغلبة، ويملكون الجرأة على تطبيقه بلا اعتذار أو تبرير.

